محمد المساوي
ثمة سِيَرٌ تختصر، من فرط ما عاشت، تاريخ بلد بأكمله، وسيرة الصحافي المغربي حميد برادة، الذي رحل ليلة الجمعة إلى السبت عن 87 عاماً، واحدة منها. فمن رئاسة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في أكثر سنواته اشتعالا، إلى حكم بالإعدام والمنفى، ومن رفاق المهدي بن بركة إلى الجلوس قبالة الحسن الثاني لمحاورته صحافياً، ومن “جون أفريك” إلى TV5 ثم “دوزيم”، قطع برادة مساراً يكاد يكون مرآة لستة عقود من التاريخ السياسي والإعلامي المغربي.
ولد حميد برادة سنة 1939 في طنجة، في أسرة وطنية من أصول فاسية، وعاش طفولته في المدينة الدولية. ولم تكن السياسة بالنسبة إليه شيئاً اكتشفه في الجامعة؛ فقد دخلت بيته مبكراً وبأقسى صورها وأعنفها. كان والده، عبد القادر برادة، قريباً من حزب الشورى والاستقلال، ومتأثرا بمقاومة محمد بن عبد الكريم الخطابي، وفي يوم 16 غشت 1956 اختطف من امام منزله بحي مرشان بطنجة، وقيل انه أحيل على معتقل بريشة بتطوان حيث تم تجميع عدد من الرجال الذين ظلوا على نهج المقاومة وعدم التساهل مع المستعمر. وبعد عقود، سيحمل الابن هذه الذاكرة معه إلى جلسات هيئة الإنصاف والمصالحة، التي أدلى أمامها بشهادته في جلسة مغلقة، كانت شهادته مزيج من الأم والحسرة والدموع.
وفي صيف 1963، انتخبه المؤتمر الثامن للاتحاد الوطني لطلبة المغرب رئيساً لـ”أوطم”، ولم تكن المنظمة يومها نقابة طلابية منشغلة حصراً بالمنح والمطاعم الجامعية؛ كانت أحد أكثر معاقل المعارضة حيوية، وكانت قد قطعت قبل ذلك مع الرئاسة الشرفية التي كان يشغلها الحسن الثاني منذ كان ولياً للعهد، فيما سمي في ذاكرة الادبيات الطلابية ب”مؤتمر الطلاق”.
كان المغرب يعيش إحدى أشد لحظاته السياسية توتراً. وقبل مؤتمر “أوطم” بأيام، كانت حملة اعتقالات 17 يوليوز قد طالت قيادات من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في ما سيعرف لاحقا بـمؤامرة 1963.
ولم يمض على انتخاب برادة سوى أيام حتى اعتُقل عقب ندوة صحافية، أمضى أربعة أيام رهن الاعتقال قبل إطلاق سراحه من دون توجيه تهمة إليه، ثم دخل السرية وغادر المغرب إلى الجزائر.
هناك ستقع الحادثة التي كادت تنهي حياته قبل أن تبدأ مسيرته الصحافية أصلاً.
حين اندلعت حرب الرمال بين المغرب والجزائر في خريف 1963، اتخذ برادة موقفاً معارضاً للحرب، بالتزامن مع موقف مماثل للمهدي بن بركة، وفي 9 نونبر من السنة نفسها، صدر في حقهما غيابياً حكم بالإعدام، في سياق موقفهما من الحرب.
وبعد اختطاف المهدي بن بركة سنة 1965، كانت الاستعدادات جارية لعقد مؤتمر القارات الثلاث في هافانا. الذي كان بن بركة أحد أبرز مهندسيه. وفي يناير 1966، حضر حميد برادة المؤتمر في كوبا بديلاً عن بن بركة في محطة تكشف مقدار قربه آنذاك من الدوائر الكبرى لليسار وحركات التحرر في العالم الثالث.
بعدا هافانا عاد للاستقرار بفرنسا حيث ستولد الشخصية الثانية لحميد برادة؛ الصحافي الذي درس الفلسفة والقانون وعلم الاجتماع السياسي، ثم التحق بمجلة “Jeune Afrique” التي كانت يومها واحدة من أهم نوافذ قراءة التحولات السياسية في المنطقة العربية وافريقيا، أصبح مراسلاً كبيراً، ثم رئيساً للتحرير بين 1974 و1985، واستمر بعد ذلك متعاوناً معها. وانتقل لاحقاً إلى التلفزيون، فتولى مسؤولية قطب المغرب العربي والشرق الأوسط في قناة TV5.
في الصحافة وجد برادة ربما المسافة التي لم تكن السياسة تسمح بها، لم يعد الرجل الذي يجب أن يجيب عن سؤال: مع من أنت؟ صار هو الذي يطرح الأسئلة.
وحاور على امتداد مسيرته شخصيات تكاد أسماؤها وحدها تشكل فهرساً لتاريخ المنطقة: عبد الرحيم بوعبيد، عبد الرحمن اليوسفي، محمد بوستة، عبد الله العروي، أحمد رضا اكديرة، أحمد بن بلة، حسين آيت أحمد، راشد الغنوشي، ليوبولد سيدار سنغور، آسيا جبار، هوبير فيدرين، بيير ميسمر وغيرهم.
لكن حواراً واحداً سيظل مختلفاً عن كل تلك الحوارات، انه حوار الحسن الثاني. يصعب فهم قوة ذلك المشهد من دون استعادة ما سبقه، في 1963 كان حميد برادة محكوماً بالإعدام في المغرب، وفي صيف 1985، بعد اثنين وعشرين عاماً، كان الرجل نفسه يستعد للجلوس أمام الملك الذي حكم المغرب طوال تلك السنوات.
بيد أن برادة هذه المرة لم يدخل القصر مناضلاً ولا معارضاً ولا مطلوباً، دخله صحافيا يتأبط اسئلة، وجرت المقابلة في 26 غشت 1985، ونُشرت في “Jeune Afrique” في سياق الذكرى العاشرة للمسيرة الخضراء، وكان ملف الصحراء في صلبها. وتكتسب المقابلة مكانتها أيضاً من واقعة صحافية نادرة: فقد قُدّمت آنذاك باعتبارها أول مرة يجري فيها الحسن الثاني حواراً مع صحافي مغربي. وتذهب مصادر لاحقة، استناداً إلى شهادة برادة، إلى أنه ظل الصحافي المغربي الوحيد الذي حاوره.
ولهذا لم تكن حوارات برادة مجرد مواد صحافية مرتبطة بلحظتها، لقد تحولت مع مرور الزمن إلى أرشيف للتاريخ الشفوي للمنطقة؛ فحين يعود القارئ اليوم إلى تلك الحوارات يستعيد المناخ الفكري والسياسي لعقود كاملة.
وقد أدرك برادة في سنواته الأخيرة قيمة هذا الأرشيف. ففي 2025، صدر المجلد الأول من “Anthologie d’entretiens”، في أكثر من 700 صفحة، جامعاً مختارات من حواراته الممتدة بين 1977 و2012. وكان ذلك أشبه بترتيب الرجل لذاكرته المهنية قبل الرحيل.
أما الجمهور المغربي الأوسع، وخصوصاً الأجيال الأصغر، فربما عرفت حميد برادة من مكان آخر؛ على شاشة القناة الثانية.
بين 2007 و2018 قدّم على “دوزيم” برنامج “Mais Encore “، مستعيداً أمام الكاميرا حرفته الأساسية؛ الحوار. لم يكن يعتمد الصخب ولا الاستعراض، بل السؤال والمعرفة بالضيف والإنصات والمتابعة؛ ذلك النوع من الحوارات الذي يقوم على أن يعرف الصحافي عمّن يسأل وماذا يريد من السؤال، وهنا تحديداً تكمن قيمة حميد برادة الصحافية، فقد كان ينتمي إلى جيل لم يكن فيه الصحافي مجرد ناقل لتصريحات السياسي، بل قارئاً للسياسة والتاريخ والفكر أيضاً. وربما لهذا لم يكن مستغرباً أن يجمع تكوينه بين الفلسفة والقانون وعلم الاجتماع السياسي، وأن ينتقل بسهولة من سؤال زعيم سياسي إلى محاورة مؤرخ أو مفكر.
كان ينتمي إلى تقليد صحافي آخر، حيث الصحافي الذي يقرأ قبل أن يسأل، ويعرف تاريخ ضيفه ومواقفه وتناقضاته، ويعتبر الحوار جنساً صحافياً قائماً بذاته لا مجرد فرصة للحصول على تصريح.
واللافت أكثر أن حياته لم تستقر على ضفة واحدة.، كان مناضلاً ثم صحافياً؛ معارضاً محكوماً بالإعدام ثم محاوراً للملك؛ منفياً ثم عائداً إلى وطنه؛ شاهداً على سنوات الرصاص ثم شاهداً أمام هيئة الإنصاف والمصالحة؛ وصحفياً صنع الأخبار في شبابه، قبل أن تصبح حياته نفسها وثيقة من وثائق التاريخ المغربي.
ولعل هذه هي المفارقة التي تختصر حميد برادة أكثر من غيرها: الرجل الذي أرادت السياسة في شبابه أن تنهي حياته بحكم بالإعدام، منحته الصحافة عمراً آخر جعله شاهداً على الذين أصدروا الأحكام، والذين عارضوهم، والذين حكموا، والذين سقطوا، والذين صنعوا تاريخ المغرب والمنطقة.
رحل حميد برادة، لكن وراءه شيء أبقى من السيرة الشخصية، أرشيف من الأسئلة والأجوبة، وذاكرة رجل انتقل من قلب الصراع السياسي إلى المسافة الضرورية لمساءلته.
وربما لذلك، حين نقرأ سيرته اليوم، يصعب أن نعرف أين تنتهي حكاية
حميد برادة وأين يبدأ تاريخ المغرب المعاصر.

