كيف تتشكل الحكومة المغربية ومن يملك القرار

من إعداد الأستاذ عمر لمعلم    

لأول مرة في تاريخ المغرب تتولى امرأة رئاسة الحكومة، وذلك بعد تعيين الملك محمد السادس للسيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة عقب الانتخابات التشريعية ل 23 شتنبر 2026. وهذا في حد ذاته تطور مهم في الحياة السياسية المغربية، ويعكس حضورا متزايدا للمرأة في مواقع المسؤولية العليا. ويأتي هذا التطور رغم كل ما قيل عن ظروف الانتخابات وعن تراجع نسبة المشاركة فيها.

قد يطرح العديد من المواطنين، مجموعة من الأسئلة حول الطريقة التي تتشكل بها الحكومة المغربية، وحول طبيعة الاختصاصات التي يمارسها كل من الملك ورئيس الحكومة والبرلمان والأحزاب السياسية.

ولفهم الحكومة الحالية ربما يكون من المفيد العودة قليلا إلى تاريخ الحكومات المغربية منذ الاستقلال. فقد ترأس أول حكومة مغربية مبارك البكاي ثم تعاقب على رئاسة الحكومة كل من أحمد بلافريج وعبد الله إبراهيم وأحمد باحنيني وأحمد العراقي وكريم العمراني وأحمد عصمان والمعطي بوعبيد وعز الدين العراقي وعبد اللطيف الفيلالي، ثم عبد الرحمان اليوسفي في تجربة التناوب وبعده إدريس جطو وعباس الفاسي ثم عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني وعزيز أخنوش وصولا إلى فاطمة الزهراء المنصوري حاليا.

وقد عرفت هذه المرحلة حكومات سياسية وأخرى غلب عليها الطابع التقني، كما عرفت فترات كان فيها حضور الملك في تدبير السلطة التنفيذية أكثر مباشرة. وهذا التاريخ يبين أن طريقة تشكيل الحكومة لم تكن ثابتة دائما بل تطورت مع تطور الحياة السياسية والدساتير المغربية.

ويعتبر دستور 2011 محطة أساسية في هذا المسار لأنه ربط تعيين رئيس الحكومة بنتائج الانتخابات التشريعية، ونص الفصل 47 على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، كما ينص الفصل نفسه على أن أعضاء الحكومة يعينون من قبل الملك باقتراح من رئيسها.

وهذا يعني أن الحزب الذي تصدر الانتخابات لا يشكل الحكومة وحده ولا يملك وحده قرار اختيار الوزراء. فرئيس الحكومة المكلف يجري المشاورات السياسية ويقترح أسماء أعضاء الحكومة على الملك الذي يتولى تعيينهم دستوريا. وهكذا يتم تشكيل الحكومة من خلال تفاعل نتائج الانتخابات والمفاوضات بين الأحزاب واختصاصات رئيس الحكومة والملك.

ومن هنا يطرح أيضا مفهوم وزارات السيادة الذي يتكرر كثيرا في النقاش السياسي المغربي. غير أن الدستور لا يستعمل هذا التعبير ولا يقدم لائحة رسمية لما يسمى وزارات السيادة. وإنما يحدد اختصاصات ملكية في مجالات استراتيجية مثل الدفاع والشؤون الخارجية وبعض التعيينات العليا. ولذلك من المهم التمييز بين ما ينص عليه الدستور صراحة، وبين ما استقر عليه الاستعمال السياسي والإعلامي بالمغرب. فالملك يترأس المجلس الوزاري الذي يتداول في القضايا الاستراتيجية التي حددها الدستور، ومنها التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة ومشاريع القوانين التنظيمية والتوجهات العامة لمشروع قانون المالية وبعض القضايا العسكرية، وإعلان حالة الحصار وإشهار الحرب وعدد من التعيينات العليا. أما مجلس الحكومة فينعقد برئاسة رئيس الحكومة ويتداول في السياسات العمومية والقطاعية ومشاريع القوانين والمراسيم وعدد من التعيينات في المناصب العليا.

وبعد تعيين أعضاء الحكومة تأتي مرحلة البرنامج الحكومي. إذ يتقدم رئيس الحكومة أمام مجلسي البرلمان (مجلس النواب ومجلس المستشارين) مجتمعين، ويعرض البرنامج الذي تعتزم الحكومة تطبيقه. يناقش البرنامج داخل المجلسين، لكن التصويت عليه يتم في مجلس النواب وحده. وتصبح الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لأعضائه.

وهنا يعني أن مجلس المستشارين يشارك في مناقشة البرنامج الحكومي، لكنه لا يصوت تنصيب الحكومة. كما أن التصويت لا يكون على أسماء الوزراء وإنما على البرنامج الحكومي الذي يعرضه رئيس الحكومة.

وتتولى الحكومة السلطة التنفيذية، وتعمل تحت سلطة رئيسها على تنفيذ البرنامج الحكومي وتنفيذ القوانين والإشراف على الإدارة والمؤسسات والمقاولات العمومية. ومن أهم مسؤولياتها إعداد مشروع قانون المالية الذي يعرض على البرلمان للمناقشة والتصويت. ولذلك فإن الحكومة لا تكتفي بتدبير القطاعات الوزارية بل تتحمل مسؤولية تنفيذ السياسات العمومية وإعداد الميزانية وتنفيذ القوانين التي يقرها البرلمان.

ويبقى سؤال آخر حاضرا في كل مرة تتشكل فيها حكومة جديدة، وهو معنى حكومة التكنوقراط. واللتي يقصد بها عادة حكومة أو تشكيلة يغلب عليها وزراء لا ينتمون إلى أحزاب سياسية، أو لا يمثلون أحزابا داخل الحكومة، ويتم اختيارهم أساسا على أساس الخبرة والكفاءة. لكن وجود وزراء غير حزبيين داخل حكومة ائتلافية لا يعني بالضرورة أننا أمام حكومة تكنوقراط لأن الحكومة قد تكون سياسية في طبيعتها وتضم في الوقت نفسه وزراء من خارج الأحزاب.

أما مسألة إسقاط الحكومة، فإن الدستور يمنح مجلس النواب آلية واضحة لذلك من خلال ملتمس الرقابة. ولا يقبل هذا الملتمس إلا إذا وقعه على الأقل خُمس أعضاء مجلس النواب، ولا تصح الموافقة عليه إلا بالأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس. ولا يقع التصويت عليه إلا بعد مرور ثلاثة أيام كاملة على إيداعه. وإذا تمت الموافقة عليه تقدم الحكومة استقالتها بشكل جماعي. أما مجلس المستشارين فلا يملك هذه الآلية لإسقاط الحكومة وإنما يمكنه مساءلتها بواسطة ملتمس مساءلة يوقعه على الأقل خمس أعضاء المجلس. وبعد جواب رئيس الحكومة يجري نقاش في الموضوع من دون أن يعقبه تصويت.

إن فهم هذه القواعد مهم، حتى لا تختلط على المواطن الأدوار بين الملك والحكومة والبرلمان والأحزاب. فالحزب الذي يتصدر الانتخابات لا يشكل الحكومة وحده، ورئيس الحكومة لا يعين الوزراء بمفرده، والملك لا يتولى إدارة الحكومة اليومية، والبرلمان لا يقتصر دوره على التصويت على القوانين. لكل مؤسسة اختصاصاتها التي يحددها الدستور ولكل واحدة منها موقعها في النظام السياسي.

وفي النهاية فإن الحكومة ليست فقط مجموعة من الوزراء، يجتمعون لتدبير القطاعات المختلفة، بل هي مؤسسة دستورية، تتحمل مسؤولية تنفيذ برنامجها أمام البرلمان وأمام المواطنين. ولذلك فإن معرفة كيف تشكلت ومن اختار أعضاءها ومن عينهم ومن صادق على برنامجها ومن يراقب عملها وكيف يمكن محاسبتها، ليست مسألة تقنية تخص المختصين في القانون الدستوري فقط، بل هي جزء من الثقافة السياسية التي يحتاج إليها كل مواطن يريد أن يفهم كيف تدار شؤون بلده، ولو من الوجهة القانونية والدستورية.