ناجي العماري يكتب.. تساؤلات بعد إغلاق صناديق الاقتراع

ناجي العماري

ناجي العماري

بعد أن مرت الانتخابات التشريعية الأخيرة في بلادنا في أجواء هادئة، وبدأت معها تتشكّل ملامح مرحلة سياسية جديدة، حكومةً ومعارضةً، قد يبدو من الطبيعي أن ينصرف النقاش إلى نتائج الاقتراع، وترتيب القوى الحزبية، وحسابات التحالفات وموازين الأغلبية والمعارضة. غير أن اللحظة، تستدعي سؤالًا أبعد من ذلك بكثير: هل تكفي الأدوات السياسية والفكرية التي ورثناها لفهم عالم يتغير أمام أعيننا بوتيرة غير مسبوقة؟

فخلال العقدين الأخيرين، لم تتغير موازين القوة بين الدول والمؤسسات فحسب؛ بل تغيرت أيضًا طبيعة القوة نفسها. لقد برزت نخب اقتصادية جديدة، وتحوّلت المعرفة والبيانات والخوارزميات والمنصات العابرة للحدود إلى مصادر للنفوذ لا تقل أهمية، وربما تفوق في بعض المجالات، مصادر القوة التقليدية.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: هل نحن أمام نهاية عالم كما عرفناه، أم أمام أزمة في تصوراتنا عنه؟ أم أن المشكلة تكمن، قبل ذلك، في أن أدواتنا المفاهيمية لم تعد قادرة على استيعاب عالم يتحرك أسرع من قدرتنا على تفسيره؟

ليس السؤال ترفًا نظريًا. فما أفرزته الانتخابات المغربية الأخيرة لشتنبر 2026، وما سبق أن كشف عنه اقتراع 2021، يضعاننا أمام تحولات متراكمة في بنية الحقل السياسي نفسه. ثنائيات كثيرة كانت تساعدنا، إلى وقت قريب، على قراءة المشهد لم تعد تمتلك قدرتها التفسيرية السابقة: اليمين واليسار، الشرعية التاريخية والشرعية الانتخابية، الحركة الوطنية والقوى السياسية التي نشأت خارج امتداداتها التقليدية.

لا يعني ذلك أن هذه التصنيفات انتهت أو أصبحت بلا معنى، وإنما يعني أن الواقع السياسي بات أكثر تعقيدًا من أن يُختزل فيها.
ومن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يتجاوز الحساب الانتخابي المباشر: كيف ننتقل بالديمقراطية من لحظة انتخابية دورية إلى لحظة سياسية مستمرة قادرة على إنتاج المستقبل؟

العالم يتغير

يشهد العالم تحولات اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية عميقة، تجعلنا أمام مرحلة انتقالية لا تقل أهمية عن مراحل تاريخية أعادت فيها البشرية النظر في معنى الدولة والسلطة والعمل والثروة والحرية.
فالرأسمالية المعاصرة لم تعد فقط نظامًا لإنتاج السلع وتبادلها؛ لقد أصبحت، في جانب متزايد منها، اقتصادًا للبيانات والانتباه والمعرفة والتوقع. ولم يعد الإنسان مجرد عامل أو مستهلك، بل أصبح أيضًا منتجًا دائمًا للبيانات، وموضوعًا للقياس والتنبؤ والتوجيه.

وهذا التحول يعيد طرح واحد من أقدم الأسئلة الفلسفية بأدوات جديدة: هل تظل التكنولوجيا امتدادًا لمشروع تحرير الإنسان، أم يمكن أن تتحول بدورها إلى أداة لإعادة إنتاج علاقات السيطرة؟

لقد حمل التطور التقني، تاريخيًا، وعودًا كبرى بتحرير الإنسان من مشقة العمل ومن قيود المسافة والزمن والجهل والمرض. وهذه الوعود لم تكن وهمًا؛ فقد غير العلم والتكنولوجيا شروط الوجود الإنساني بصورة جذرية.
لكن التكنولوجيا ليست كيانًا محايدًا قائمًا خارج المجتمع. فالسؤال ليس فقط: ماذا تستطيع التقنية أن تفعل؟ وإنما أيضًا: من يمتلكها؟ ومن يتحكم في بنياتها؟ ومن يحدد غاياتها؟ ولصالح أي تصور للمجتمع يجري توظيفها؟
وعندما تصبح البيانات موردًا استراتيجيًا، والخوارزميات وسيطًا في تشكيل الرأي والاختيار والسلوك، فإن النقاش حول الديمقراطية لا يمكن أن يبقى محصورًا في المؤسسات الانتخابية وحدها. إننا نحتاج، على نحو متزايد، إلى التفكير في ديمقراطية السلطة الرقمية بقدر حاجتنا إلى التفكير في ديمقراطية السلطة السياسية.

وإلى جانب التحول التكنولوجي، تواجه البشرية سؤالًا لا يقل خطورة يتعلق بالطبيعة ذاتها.
لقد تأسست أجزاء واسعة من الحداثة الاقتصادية على تصور للطبيعة باعتبارها مخزونًا شبه غير محدود من الموارد القابلة للاستخراج والتحويل والاستهلاك. غير أن الأزمات البيئية والمناخية المتلاحقة تضع هذا التصور موضع مساءلة متزايدة.

هل ينبغي أن تبقى الطبيعة مجرد موضوع للسيطرة والاستغلال، أم أن اللحظة التاريخية تفرض إعادة تعريف علاقتنا بها باعتبارها شرطًا لاستمرار الحياة الإنسانية نفسها؟
ومن هنا لا تعود الإيكولوجيا قضية فرعية تضاف إلى البرامج السياسية بعد الاقتصاد والتعليم والصحة، بل تتحول إلى مدخل لإعادة التفكير في السياسة ذاتها.
فالأنهار لا تتوقف عند الحدود الإدارية، والتلوث لا يعترف بالدوائر الانتخابية، والمناخ لا يخضع لمنطق السيادة الوطنية التقليدية. ولذلك قد نجد أنفسنا مستقبلًا مضطرين إلى إعادة التفكير في جزء من تنظيم السلطة انطلاقًا من الجغرافيا الطبيعية والموارد المشتركة والمنظومات البيئية، لا من الحدود السياسية وحدها.

وهنا تفتح الإيكولوجيا السياسية أفقًا فلسفيًا يتجاوز حماية البيئة إلى سؤال أوسع: كيف يمكن تنظيم الحياة المشتركة عندما يصبح مصير الإنسان مرتبطًا، بصورة لا تقبل الفصل، بمصير المجال الطبيعي الذي يعيش فيه؟

التضامن وبناء المصير المشترك

في الوقت نفسه، نعيش لحظة يتصاعد فيها حضور خطابات الخوف والكراهية والإقصاء في فضاءات متعددة من العالم. ويزداد الميل إلى تصنيف البشر وفق انتماءاتهم الدينية أو العرقية أو السياسية أو الاجتماعية، وإلى تحويل المختلف، في بعض الخطابات، من شريك في المجال العام إلى خصم، ثم من خصم إلى عدو، ثم إلى تهديد.
وهذه إحدى أخطر التحولات التي يمكن أن يعرفها أي مجتمع.

فالسياسة تبدأ في فقدان معناها عندما يصبح الاختلاف ذاته جريمة، وحين تتحول الهوية من إطار لتعريف الذات إلى وسيلة لنفي الآخرين.

ومن هنا يصبح السؤال عن العدالة أكثر إلحاحًا: هل يمكن بناء تصور للعدالة يتجاوز حدود الانتماءات والهويات الفئوية، وينطلق من المساواة في الكرامة الإنسانية قبل أي تصنيف آخر؟

إن هذا السؤال يقودنا بالضرورة إلى مراجعة مفهوم السيادة نفسه.
لقد بُني جانب مهم من الفكر السياسي الحديث حول سيادة الدولة داخل حدودها. غير أن كثيرًا من التحديات التي تواجه الإنسان اليوم — من المناخ إلى الهجرة، ومن الاقتصاد الرقمي إلى الأوبئة والذكاء الاصطناعي والأسواق العابرة للحدود — لم تعد قابلة للاحتواء الكامل داخل الحدود الوطنية.
ولا يعني ذلك إلغاء الدولة أو التقليل من أهمية السيادة، وإنما التفكير في صيغة تجعل السيادة متلائمة مع المسؤولية المشتركة، بحيث لا يصبح الدفاع عن المصلحة الوطنية مبررًا للتنصل من الواجبات الإنسانية الكونية.

عند هذه النقطة، يستعيد مفهوم التضامن راهنيته.
لقد مثّلت قيم التكافل والتآزر والتعاون، عبر مراحل مختلفة من التاريخ، النقيض العملي لفلسفات الإقصاء ونفي الآخر. غير أن المطلوب اليوم قد يكون أبعد من اعتبار التضامن مجرد استجابة أخلاقية للأزمات.
السؤال هو: هل يمكن أن يصبح التضامن مبدأً مؤسسًا للوجود السياسي المشترك؟

أي ألا ننظر إليه باعتباره إحسانًا يقدمه القوي إلى الضعيف، ولا استجابة استثنائية للكوارث، وإنما باعتباره اعترافًا بأن مصائر البشر باتت مترابطة على نحو يجعل أمن أحدهم وكرامته وحريته مرتبطًا، بدرجات مختلفة، بأمن الآخرين وكرامتهم وحريتهم.
بهذا المعنى، لا يصبح التضامن نقيضًا للحرية الفردية، وإنما أحد شروط إمكانها داخل مجتمع لا يستطيع الفرد أن يعيش فيه مستقلًا عن بقية أفراده.

ولعل التحول المطلوب هنا أعمق من مجرد مراجعة بعض السياسات العمومية؛ إنه انتقال من تصور للسياسة يقوم أساسًا على إدارة المصالح المتنافسة إلى تصور يعيد الاعتبار لفكرة المصير المشترك، لا باعتبارها شعارًا أخلاقيًا، بل باعتبارها حقيقة سياسية واجتماعية وبيئية تفرضها طبيعة العالم المعاصر.

الثقافة والديمقراطية

إعادة بناء المجال السياسي لا يمكن أن تنفصل عن سؤال الثقافة.

فنحن نعيش في زمن تضاعفت فيه إمكانات الوصول إلى المعرفة بصورة لم تعرفها البشرية من قبل، لكن هذه الوفرة لم تؤد بالضرورة إلى اتساع المجال الثقافي بالقدر نفسه.
لقد أوجد اقتصاد المنصات والمنافسة على الانتباه بيئة يصبح فيها المحتوى الأكثر قدرة على إثارة الانفعال وجذب المشاهدة أسرع انتشارًا في كثير من الأحيان من المحتوى الذي يحتاج إلى القراءة والتأمل والوقت.

وهنا تظهر مفارقة عصرنا: لم تكن المعرفة متاحة بهذا القدر من قبل، وربما لم تكن المنافسة على تشتيت الانتباه قوية بهذا القدر أيضًا.
ولهذا لا يكفي أن نسأل: لماذا تنتشر التفاهة؟

ينبغي أن نسأل أيضًا: ما البنية الاقتصادية التي تجعلها قابلة للتحول إلى صناعة؟ وكيف أصبح الانتباه البشري نفسه سلعة تتنافس عليها المؤسسات والمنصات والأسواق؟
وقد يُقال إن إنتاج الثقافة الجادة مكلف، وإن بناء المؤسسات الثقافية ودعم البحث والنشر والتكوين يحتاج إلى موارد ضخمة. وهذا صحيح.
لكن السؤال الأكثر أهمية ليس: كم تكلف الثقافة؟
بل: كم تكلفنا اللاثقافة؟

ما كلفة مجتمع تتراجع فيه القدرة على التفكير النقدي؟ وما كلفة فضاء عام ينتصر فيه الانفعال على المعرفة، والإشاعة على التحقيق، والاختزال على التعقيد؟ وما الكلفة السياسية لديمقراطية يمتلك مواطنوها حق الاختيار، لكنهم لا يمتلكون دائمًا الشروط المعرفية التي تجعل الاختيار حرًا وواعيًا؟

هنا تصبح السياسة الثقافية جزءًا من السياسة الديمقراطية، لا هامشًا تابعًا لها.
وتزداد أهمية هذا السؤال في زمن تعود فيه إلى النقاش العالمي مفردات السلطوية والقومية المتطرفة والإقصاء، وتظهر أشكال جديدة من تحويل الخوف إلى أداة سياسية. ومن المشروع، والحالة هذه، استحضار الدروس التي دفعت الإنسانية ثمنها خلال القرن العشرين.
فالفاشية، في جوهر تجربتها التاريخية، لم تبدأ بمعسكرات الاعتقال، بل سبقتها تحولات في اللغة وفي تصور الإنسان للآخر: تقسيم المجتمع إلى من ينتمون ومن لا ينتمون، إلى مواطنين كاملين وآخرين مشكوك في ولائهم، إلى جماعة يُنسب إليها الحق في تعريف الوطن وأخرى تصبح موضع اتهام دائم.
ولهذا فإن مقاومة النزعات الإقصائية لا تبدأ فقط حين تتحول إلى مؤسسات؛ بل تبدأ من الدفاع عن الفضاء الذي يسمح بالاختلاف من دون تحويل المختلف إلى عدو.
والسؤال هنا ليس ما إذا كان التاريخ سيكرر نفسه حرفيًا؛ فالتاريخ لا يكرر نفسه بهذه البساطة. السؤال هو ما إذا كانت المجتمعات قادرة على التعرف إلى آليات الإقصاء الجديدة وعلى الآليات الفاشنة للمجتمع حين ترتدي لغات وأدوات مختلفة عن تلك التي عرفها القرن الماضي.

فثمة علاقة عميقة بين تراجع الثقافة النقدية وصعود الخطابات الاختزالية؛ إذ كلما ضاقت المساحة المتاحة للتفكير المركب، أصبح من الأسهل تقسيم العالم إلى ثنائيات مغلقة: نحن وهم، وطنيون وخونة، أخيار وأشرار، أصدقاء وأعداء. وهنا تحديدًا تصبح الثقافة إحدى أهم آليات المقاومة الديمقراطية.

الحاجة إلى تجديد الخيال السياسي

لعل هذا ما يفسر استهلالنا الحديث بالانتخابات المغربية.
فالمغرب ليس جزيرة منفصلة عن التحولات الكبرى التي تعصف بالعالم. والتحولات التكنولوجية والاقتصادية والبيئية والثقافية التي تعيد تشكيل المجتمعات المعاصرة ستجد، بطرق مختلفة، تعبيراتها داخل مجتمعنا ومؤسساتنا وحقلنا السياسي.ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يعقب كل انتخابات لا يمكن أن يقتصر على: من ربح؟ ومن خسر؟ ومن سيحكم؟ ومن سيعارض؟
تلك أسئلة مشروعة وضرورية، لكنها ليست كافية.
السؤال الأعمق هو: أي مشروع سياسي نحتاج إليه لعالم لم يعد يشبه العالم الذي صيغت فيه معظم مرجعياتنا السياسية؟

ألم يحن الوقت أمام الأحزاب والتيارات الفكرية والنخب الأكاديمية والثقافية لإطلاق مراجعات حقيقية لمفاهيمها وبرامجها وأدواتها؟
ليس المقصود التخلص من التراث السياسي والفكري أو إعلان نهاية اليمين واليسار أو الليبرالية أو الاشتراكية أو غيرها من المرجعيات، بل إخضاعها لما يخضع له كل فكر حي: المراجعة والتجديد والاختبار أمام الواقع.

فالأفكار التي لا تتجدد تتحول تدريجيًا من أدوات لفهم العالم إلى حواجز تمنعنا من رؤيته.
وربما يكون التحدي الأكبر أمامنا، إذن، هو أن نحرر مفهوم الديمقراطية من اختزاله في تقنية لاختيار الحكومات، من دون التقليل من مركزية الانتخابات والتداول والمحاسبة.
فالديمقراطية ليست فقط طريقة للوصول إلى السلطة؛ إنها أيضًا طريقة لتنظيم الاختلاف، وتوزيع القوة، وحماية الضعيف من هيمنة القوي، وتمكين المواطن من المشاركة في تقرير الشأن المشترك.

وإذا كانت الانتخابات تمنح المؤسسات شرعيتها، فإن نوعية الحياة السياسية بين انتخابين هي التي تمنح الديمقراطية معناها.
ومن هنا فإن مسؤولية المشرّع لا تبدأ عند التصويت على القوانين وتنتهي عنده. إنها مسؤولية تجاه تصور معين للمصلحة العامة، وتجاه أولئك الذين لا يمتلكون ما يكفي من القوة لإسماع أصواتهم.

ولعل كلمات ماكسيميليان روبسبيير، في خطابه أمام المؤتمر الوطني الفرنسي في ديسمبر 1792، تستعيد هنا شيئًا من راهنيتها، على الرغم من المسافة التاريخية والسياسية الهائلة التي تفصل عالمنا عن عالمه:

«وأنتم، أيها المشرّعون، تذكّروا أنكم لستم ممثلي فئة تتمتع بالامتيازات، بل ممثلو الشعب. ولا تنسوا أن منبع النظام هو العدل، وأن الضمان الأوثق للسكينة العامة هو سعادة المواطنين؛ وأن الاضطرابات الطويلة التي تمزق الدول ليست سوى صراع الأحكام المسبقة ضد المبادئ، والأنانية ضد المصلحة العامة، وكبرياء الأقوياء وأهوائهم ضد حقوق الضعفاء وحاجاتهم.»

بعد أكثر من قرنين، تغير العالم كثيرًا.
لكن السؤال الذي تتركه هذه الكلمات أمامنا لم يفقد راهنيته:
هل تستطيع السياسة أن تستعيد وظيفتها في بناء المصير المشترك، بدل الاكتفاء بإدارة الحاضر؟
قد يكون هذا هو السؤال الحقيقي الذي يبدأ بعد أن تُغلق صناديق الاقتراع.