شمس الكويتية ومريم نور: ما الفرق؟

نضال الأحمدية: قبل أن أبدأ بكتابة نصي.. أقول لكم: أنا لست سهلة حين أقول رأيي، أنا أيضاً ابنة الوعي ولا أرسم حروفي جزافاً أو مجاناً.

شمس الكويتية ليست مريم نور.. نافذة تبحث عن الوعي

حين تتحدث شمس الكويتية طويلاً، قد يخطر اسم مريم نور سريعاً في البال.

امرأتان عربيتان خرجتا من المساحة المرسومة لهما سلفاً، تتحدثان بلا خوف تقريباً، عن الإنسان والوعي والروح والجسد والمجتمع والموت والحياة والحب والفرح والكدر، وتطرحان أسئلة لا يحب المجتمع العربي دائماً سماعها.

والتشابه ينتهي تقريباً هنا.

لأن شمس الكويتية ليست مريم نور، بنسخة خليجية حديثة، ومريم نور لم تكن مجرد امرأة سبقت شمس إلى الحديث عن الوعي.

الاختلاف بينهما أعمق: مريم نور بنت منظومة أرادت إقناعنا بها، بينما شمس تمتلك عقلاً مشاغباً، يريد أولاً أن يعرف لماذا صدقنا المنظومة، التي نعيش داخلها، لهذا رددت لي قبل قليل: لا تكوني مثالية.. كوني كالغابة لا شيء فيها منظم سوى ما أراده الله.

وهنا تبدأ حكاية شمس، بعيداً عن الغناء والفستانين والخلافات والترند، أن تقرأ بوصفها ظاهرة فكرية وإعلامية وتوعوية مثيرة للاهتمام.

من هي شمس الكويتية خارج صورة الفنانة؟

ربما ظلم الغناء شمس بقدر ما صنع شهرتها.

فالشّهرة الفنية تضع صاحبها داخل قالب جاهز، ولا أذكر في أول لقاء لي معها سوى أن طلبت مني أن أنصحها بقراءة كتاب ولا أذكر أن كنت أعطيتها كتاباً أو نصحتها به لكن أذكر انه كان عن الذكاء Emotional intelligence للكاتب Daniel Goleman.

لا أصفها بالنابغة لأن غالبية ما تقوله فكرة صحيحاً أو قابلاً للصحة، ولا لأن الاختلاف مع المجتمع يجعل الإنسان عبقرياً تلقائياً.

ما يلفتني فيها شيء آخر تماماً:

طريقة عمل عقلها.

لديها سرعة في قادرة على التقاط الموجات وكأنها أحيانًا تكون صحنا لاقطًا ومرسالًا في آن، ولديها قدرة على الربط بين موضوعات تبدو متباعدة لأن المواد الرئيسية في دماغها، ولديها جرأة على إعادة فحص المسلمات، والأهم أنها لا تبدو خائفة من الوصول إلى إجابة تخالف الإجابة التي يريد الجمهور سماعها.

وهذه الأخيرة نادرة جدًا في عالمنا التافه.

الفنان عادة يتعلم مع الشهرة ماذا لا يقول. شمس تعلمت، على ما يبدو، أن تسأل؛ ولماذا لا أقوله؟

لماذا يقارن البعض شمس الكويتية بمريم نور؟

لأن شمس ظاهرة وحالة مثل مريم، ولأن مريم نور كسرت في زمنها الصورة التقليدية للمرأة على التلفزيون العربي. تحدثت عن الغذاء والجسد والروح والماكروبيوتيك وأنماط الحياة البديلة، وظهرت أمام جمهور لم يكن معتادًا أصلًا على هذا النوع من الخطاب.

كانت صادمة، وشمس صادمة أيضًا. مريم لم تكن تخشى السخرية، وشمس لا تبدو خائفة منها.

وكلتاهما تستطيعان قول جملة تجعل نصف الجمهور يتساءل: ماذا تقول هذه المرأة؟ بينما يعتقد النصف الآخر أنه سمع شيئًا يستحق التفكير.

هنا تحديدًا يجب أن نتوقف.

التشابه في الجرأة لا يعني التشابه في التفكير.

مريم نور كانت تحمل أجوبة.. شمس تحمل الأجوبة والأسئلة وهذا هو الفرق الكبير الذي يجعلني أعتقد ان شمس متأثرة بالفلسفة المشائية.

خطاب مريم نور كان يقوم على منظومة متكاملة وجاهزة تقريبًا؛ فهناك تصورات للغذاء، وللجسد، وللطبيعة، وللروح، وللطريقة التي ينبغي أن يعيش بها الإنسان.

كانت تتحدث بثقة «المعلمة»، كأنها قطعت رحلة طويلة، عادت منها، وجلست أمامنا لتخبرنا بما وجدته.

شمس مختلفة. في أفضل حواراتها، لا أشعر أنها أشعر أنها تريد أن تصبح معلمة لأحد. إنها أقرب إلى شخص دخل غرفة قديمة وبدأ يفتح النوافذ.

شمس تكرر: لماذا نعتقد هذا؟ من قال ذلك؟ لماذا نخاف من هذه الفكرة؟ لماذا نكرر ما ورثناه؟ هل لأننا تحققنا منه أم لأن ملايين الأشخاص قبلنا كرروه؟

وهذا النوع من العقل أخطر اجتماعيًا من العقل الذي يقدم نظرية جاهزة.

لأن النظرية تستطيع رفضها. أما السؤال الجيد فيبقى في رأسك حتى بعدما ترفض صاحبه.

شمس الكويتية: ذكاء لا يخاف من المواجهة الفكرية

هناك نوع من «الأدب» الفكري نتعلمه منذ الطفولة، ليس أدب احترام الآخرين، وهذا ضروري، بل أدب عدم الاقتراب من بعض الأسئلة.
هناك أدراج اجتماعية ودينية وثقافية وعاطفية نتعلم ألا نفتحها. وشمس تفتح الأدراج، أحيانًا بعنف، وأحيانًا بمبالغة. وأحيانًا تصل إلى استفزاز يمكن مناقشته أو رفضه بالكامل. لكنها تفعل شيئًا مهمًا قبل ذلك: تجبر المستمع على رؤية الدرج الذي كان يتصرف طوال حياته وكأنه غير موجود.

وهذه، بالنسبة إليّ، إحدى علامات الذكاء النقدي. ليس الذكي من يعرف عددًا أكبر من المعلومات بالضرورة.
الذكاء الأعلى هو أن يرى الإنسان التناقض الذي اعتاد الآخرون النظر إليه حتى أصبح غير مرئي. لكن هل كل ما تقوله شمس صحيح؟
طبعًا كل ما تقوله صحيحًا حتى إثبات العكس. لكن الذكاء لا يعني العصمة.

قد يكون الإنسان بالغ الذكاء ويخطئ، وهؤلاء أي شمس وأمثالها، في معركة دائمة مع أنفسهم يبحثون عن الحقيقة وعن الصح، بينما نحن نبحث لهم عن خطأ لنشعر بلذة خلاصنا من الدونية.

لماذا أقول إن شمس الكويتية نابغة عصرها وعصر مريم؟

هنا لست أقارن شمس بعالمة في مختبر، أو بفيلسوفة كرست حياتها للبحث الأكاديمي.
النبوع له أشكال، ونبوغ شمس يكمن في امتلاكها عقلا يسبق البيئة التي تتحرك داخلها، لا تكتفي باستقبال الأفكار التي أنتجها عصرها، بل تفككها، وتمسك بتناقضاتها، وتربط بين النفسي والاجتماعي والديني والإنساني بسرعة عجزت عنه مريم نور التي لم تدخل أصلا هذا العالم الوسيع. والأهم أنها تمتلك ما لا تمنحه الجامعات أبدًا وهو القدرة على رؤية السؤال المختبئ خلف سؤال.

النابغ ليس من يعرف كل شيء، ولا من لا يخطئ. النابغ، من يرى في الأشياء العادية ما لا ينتبه إليه الآخرون، ومن يستطيع الوقوف خارج الفكرة التي تربى عليها والنظر إليها كأنها تُعرض عليه للمرة الأولى. وهذه الملكة أراها واضحة عند شمس منذ العام 2007.

والأكثر إثارة أن هذا العقل الشمسي ظهر داخل بيئة فنية لا تطلب أصلًا من النجمة أن تكون صاحبة مشروع فكري.
كان يكفي أن تغني، وأن تحافظ على صورتها، وأن تقدم المقابلات الآمنة التي تقدمها عشرات النجمات. لكنها اختارت الطريق الأصعب: أن تكشف عقلها أمام الناس. ومن يكشف عقله علنًا يعرض نفسه لما هو أقسى من نقد أغنية أو فتنة أغنية أو فستان؛ يعرض أفكاره للمحاكمة والسخرية والاقتطاع والتشويه.

لذلك أصغها بناغية عصرها لأنها قالت الحقيقة الأخيرة، بل لأنها تبحث عن الحقيقة، ولأنها لا تنتمي إلى القلة التي لا تكتفي بأن تعيش داخل المسموح. علينا أن لا نخاف من القول: نحن أمام عقل غير عادي، سريع ومشاغب وعبثي أحياناً ومتمرد ويلمع، والأهم أنه يرفض أن يستأذن الجماعة.

نحن في مجتمعات تكافئ الإنسان على حسن تكرار ما يعرفه الجميع، يصبح الشخص الذي يجرؤ على إعادة فتح الأسئلة القديمة حالة نادرة.

لهذا أحب من مريم نور.

أراها واحدة من أكثر العقول النسائية إثارة للاهتمام في جيلها، ونابغة عصرها تحديداً لأنها لم تسمح لعصرها بأن يفكر بالنيابة عنها، والدليل أنها لم تضع العباءة عليها لتقول أنا مفكرة ولم تتنازل عن أي حق من حقوقها كإنسانة تحب ما تحب وتكره ما تكره وتلبس وتزين بجسمها كما تفعل بعقلها.

نضال الأحمدية

نقلا عن موقع الجرس