من إعداد: الأستاذ عمر لمعلم
انتهت عملية التصويت والفرز في الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، وأعلنت وزارة الداخلية النتائج التي أفرزتها صناديق الاقتراع، وهي نتائج توصف رسمياً بالمؤقتة إلى حين استكمال مسطرة الطعون والمصادقة النهائية عليها من طرف المحكمة الدستورية. وبذلك أصبح بالإمكان قراءة الخريطة السياسية الجديدة للمغرب، لا باعتبارها مجرد أرقام للمقاعد، وإنما باعتبارها مؤشراً يحتاج إلى أكثر من سؤال لفهم ما جرى داخل صناديق الاقتراع.
أول سؤال يفرض نفسه هو المشاركة. فقد بلغت نسبة المشاركة الوطنية 38.02 في المائة، وهي نسبة تضع من جديد ظاهرة العزوف الانتخابي في قلب النقاش. لكن هل تكفي هذه النسبة وحدها للحكم على درجة مشاركة المغاربة في الحياة الانتخابية؟ فهذه النسبة تحتسب من المسجلين في اللوائح الانتخابية، وعددهم في انتخابات 2026 بلغ 15.8 مليون ناخب تقريباً، بينما يوجد مواطنون في سن التصويت غير مسجلين أصلاً. لذلك فإن السؤال الأعمق ليس فقط: لماذا لم يصوت أكثر من نصف المسجلين؟ وإنما أيضاً، كم يمثل المصوتون فعلياً من مجموع المواطنين الذين يحق لهم التصويت؟
ثم تظهر مسألة أخرى لا تقل أهمية، هل كان العزوف متساوياً بين المدن والقرى؟ فالمعطيات المتعلقة بالهيئة الناخبة تظهر أن 55 في المائة من المسجلين ينتمون إلى الوسط الحضري، مقابل 45 في المائة في الوسط القروي، لكن المشاركة في عدد من المناطق القروية تكون عادة أعلى من مثيلتها في المدن. وهنا يصبح السؤال ضرورياً، هل تغيرت الجغرافيا الانتخابية للمغرب؟ وهل أصبحت التعبئة في القرى والدواوير عاملاً مؤثراً في تحديد النتائج؟ والأهم هو: أيُّ الأحزاب استطاعت أن تحول هذه المشاركة المرتفعة في بعض المناطق إلى أصوات ومقاعد؟ هذا سؤال لا يمكننا الإجابة عنه بالانطباع، وإنما بالعودة إلى النتائج التفصيلية للدوائر.
حسب النتائج المعلنة من قبل وزارة الداخلية، توزعت مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 395 مقعداً على الشكل التالي: حزب الأصالة والمعاصرة حصل على 97 مقعداً، والتجمع الوطني للأحرار على 66 مقعداً، وحزب الاستقلال على 65 مقعداً، والعدالة والتنمية على 54 مقعداً، والحركة الشعبية على 29 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26 مقعداً، والتقدم والاشتراكية على 19 مقعداً، والاتحاد الدستوري على 17 مقعداً، فيما حصل كل من الحركة الديمقراطية الاجتماعية وتحالف اليسار على 8 مقاعد، وحصل كل من جبهة القوى الديمقراطية والإنصاف على مقعدين، بينما حصل كل من الديمقراطيين الجدد والوحدة والديمقراطية على مقعد واحد. وتبقى هذه النتائج، من الناحية القانونية، خاضعة للمسطرة المتعلقة بالطعون أمام المحكمة الدستورية.
وتجدر الإشارة إلى أنه، في أعقاب الإعلان الأول عن النتائج، راجت داخل بعض الأوساط الصحافية والحزبية معطيات تفيد بأن حزب الاستقلال تمكن من إضافة مقعد بدائرة الصخيرات-تمارة، ليرتفع رصيده إلى 66 مقعداً، مقابل تراجع رصيد حزب التجمع الوطني للأحرار إلى 65 مقعداً. غير أن هذا المعطى لم يثبت في النتائج الرسمية التي أعلنتها وزارة الداخلية لاحقاً، والتي أكدت أن نتائج لجان الإحصاء الإقليمية والجهوية تطابق تماماً النتائج العامة المؤقتة المعلنة في البداية.
لكن هاته الأرقام، مهما كانت واضحة، لا تفسر نفسها بالشكل المطلوب. فلماذا تغير ترتيب بعض الأحزاب مقارنة بالانتخابات السابقة؟ لماذا ارتفع حضور الأصالة والمعاصرة؟ وكيف تمكن حزب العدالة والتنمية من استعادة جزء مهم من حضوره البرلماني؟ ولماذا لم يحافظ التجمع الوطني للأحرار على موقعه السابق؟ هل يتعلق الأمر بأداء الأحزاب، أم بتغير اختيارات الناخبين، أم بمستوى المشاركة، أم بتغير الخريطة المحلية للتصويت؟ ربما يكون الجواب مزيجاً من كل ذلك، ولذلك فإن قراءة النتائج تحتاج إلى النزول من الرقم الوطني إلى الجهة والإقليم والمدينة والقرية.
ومن الأسئلة التي تستحق النقاش أيضاً، ماذا عرضت الأحزاب على الناخبين؟ أكيد أنها قدمت برامج مختلفة تعالج مواضيع متعددة، كالتشغيل، والقدرة الشرائية، والصحة والتعليم، والسكن، والحماية الاجتماعية، والاستثمار والشباب. لكن هل كانت هذه البرامج حاضرة فعلاً في الاختيار الانتخابي؟ أم أن عوامل أخرى، محلية واجتماعية وشخصية، كانت أكثر تأثيراً في قرار الناخب؟ لا يمكن افتراض الجواب قبل دراسة النتائج وسياق كل منطقة.
وتبقى طريقة تحويل الأصوات إلى مقاعد، واحدة من القضايا التي تستحق أن يفهمها المواطن. فمجلس النواب يضم 395 مقعداً، منها 305 مقاعد تنتخب في الدوائر المحلية و90 مقعداً في الدوائر الجهوية، وفق نظام الاقتراع باللائحة والتمثيل النسبي. والسؤال هنا ليس تقنياً فقط، هل الطريقة المعتمدة حالياً تحقق أفضل ترجمة ممكنة لأصوات الناخبين إلى تمثيلية داخل البرلمان؟ وماذا يعني اعتماد القاسم الانتخابي على أساس المسجلين في اللوائح؟ وهل يؤدي ذلك إلى توزيع مختلف للمقاعد عما كان سيحدث لو احتُسب على أساس الأصوات الصحيحة؟ هذه أسئلة تستحق أن تناقش بالأرقام لا بالشعارات.
ومن بين القضايا التي عادت بقوة في هذه الانتخابات مسألة تمثيلية النساء. فقد خصص النظام الانتخابي الحالي، الدوائر الجهوية حصرياً لترشيحات النساء، وهو ما يرمي إلى تعزيز حضورهن داخل مجلس النواب. وقد قدمت الأحزاب 235 لائحة جهوية ضمت 1783 مترشحة، بينما بلغ مجموع الترشيحات النسائية في الدوائر المحلية والجهوية 2658 ترشيحاً.
لكن هل يكفي هذا الأسلوب لضمان تمثيلية سياسية نسائية أوسع؟ وهل من الأفضل أن تبقى نسبة مهمة من التمثيلية النسائية مرتبطة بدوائر جهوية واسعة، بينما يجد الناخب في دائرته المحلية نفسه أمام مرشحين ومرشحات مختلفين؟ ولماذا لا نبحث مستقبلاً عن نموذج يجعل اختيار النساء أكثر مباشرة على المستوى المحلي؟
يمكن مثلاً التفكير في المناصفة، إذا كانت دائرة معينة تنتخب ستة نواب، فيجب أن تخصص ثلاثة مقاعد للنساء وثلاثة للرجال، وتقدم الأحزاب لائحة مستقلة للنساء وأخرى مستقلة للرجال. ويكون للناخب الحق في اختيار لائحة الرجال من حزب، ولائحة النساء من حزب آخر. أما إذا اعتُمد الثلث أو الربع، فيمكن الاحتفاظ باللوائح العامة، مع تخصيص جزء من المقاعد للنساء عبر لوائح نسائية مستقلة على المستوى المحلي.
قد تكون لهذه الصيغ مزايا وقد تطرح بدورها أسئلة وإشكالات، لكنها تفتح نقاشاً مختلفاً، إذا كنا نريد أن يختار المواطن النساء، فلماذا لا نعطيه فرصة واضحة ومباشرة لاختيارهن داخل دائرته وإقليمه، بدل أن يكون حضورهن مرتبطاً أساساً بلائحة جهوية قد لا تضم مرشحة يعرفها الناخب من منطقته؟
وفي النهاية، الانتخابات لا تنتهي بإعلان توزيع المقاعد. فبعد الأرقام تأتي مرحلة أخرى، كيف ستُترجم هذه الخريطة إلى أغلبية برلمانية وحكومة؟ وما هي الحسابات الدستورية والسياسية التي ستفرض نفسها؟ والأهم من كل ذلك، ماذا ينتظر المواطن من البرلمان والحكومة المقبلين؟ هل ستظهر آثار الانتخابات في الأسعار والشغل والتعليم والصحة والخدمات والحياة اليومية، أم أن المواطن سيجد نفسه بعد أشهر أمام الأسئلة نفسها التي دفعته إلى صناديق الاقتراع؟
ربما يكون هذا هو السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نختم به تساؤلاتنا عن انتخابات 2026، ماذا تغير حقا في صناديق الاقتراع، وماذا سيتغير خارجها؟

