واد بهت يكشف أقدم تحصينات دفاعية واسعة النطاق في شمال إفريقيا خارج وادي النيل

كشف فريق دولي من علماء الآثار المغاربة والبريطانيين والإيطاليين، في موقع «واد بهت» بإقليم الخميسات، عن أقدم تحصينات دفاعية ترابية واسعة النطاق معروفة حتى الآن في شمال إفريقيا خارج حوض النيل، يعود تاريخها إلى ما بين 3500 و4000 سنة.

وجاء الكشف ضمن نتائج الموسم الميداني الثالث لمشروع «واد بهت الأثري» (OBAP)، المنشورة في 7 شتنبر الجاري بالمجلة العلمية الإنجليزية Libyan Studies، الصادرة عن المعهد البريطاني للدراسات الليبية وشمال إفريقيا بالتعاون مع Cambridge University Press، في دراسة بعنوان: “Expanding Oued Beht: Final Neolithic, Bronze Age, medieval and later discoveries from excavation and survey in 2023”، أعدها كل من يوسف بوكبوط، وجوليو لوكاريني، وطوبي ويلكينسون، إلى جانب باحثين آخرين.

وأفاد بلاغ مشترك للمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث (INSAP) بالمغرب، والمجلس الوطني للبحوث بإيطاليا (CNR)، وجامعة كامبريدج، بأن أعمال التنقيب والتحليل الجديدة مكّنت من تحديد طبيعة وتسلسل مراحل تشييد منشأة دفاعية ضخمة في الموقع، بعد أن ظلت طبيعتها وتاريخها موضع نقاش منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

وتشير نتائج 17 تحليلا جديدا بالكربون المشع إلى أن المرحلة الأقدم من المنشأة تعود إلى بدايات الألفية الثانية قبل الميلاد، حيث جرى حفر خندق عميق وإنشاء سور ترابي باستعمال الطين واللبن، قبل أن يُقام فوقه، خلال العصور الوسطى، جدار حجري ضخم ضمن عملية إعادة بناء وتدعيم للموقع بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر الميلاديين.

ويغلق هذا النظام الدفاعي، الذي يضم الخندق والسور الترابي والجدار الحجري، ممرا طبيعيا في الجزء الجنوبي من المرتفع الذي يحتضن الموقع. ويرى الباحثون أن حجم المنشأة وطبيعة الأشغال المرتبطة بها يعكسان مستوى من التنظيم والعمل الجماعي، ويشيرون إلى تحول مهم في أنماط الاستيطان، إذ انتقل النشاط من الجزء الشمالي المكشوف للموقع خلال العصر الحجري الحديث إلى الشريط الجنوبي الأكثر قابلية للدفاع خلال الألفية الثانية قبل الميلاد.

ويكتسي الاكتشاف أهمية خاصة بالنظر إلى أن موقع «واد بهت» كان قد برز في السنوات الأخيرة باعتباره أحد أهم مواقع الاستيطان في غرب المتوسط خلال أواخر العصر الحجري الحديث. فقد أظهرت الأبحاث السابقة امتداداً أثرياً يغطي نحو 9 إلى 10 هكتارات، يعود إلى أواخر الألفية الرابعة وبداية الألفية الثالثة قبل الميلاد، مع دلائل على ممارسة الزراعة وتربية الماشية وإنتاج الفؤوس الحجرية المصقولة والأواني الفخارية المزخرفة.

وكان عالم الآثار الفرنسي أرماند رولمان قد زار المنطقة في ثلاثينيات القرن العشرين، وفسرت آنذاك السلاسل الحجرية البارزة في الجزء الجنوبي على أنها بقايا نتوء صخري محصن، دون حسم تاريخها أو طبيعتها. كما سبق للباحث المغربي يوسف بوكبوط أن درس الفؤوس الحجرية المصقولة المكتشفة بالموقع في إطار أطروحته للدكتوراه، وربط المنشآت بالفترة السابقة للتاريخ، دون إمكانية تحديد ما إذا كانت تعود إلى العصر النحاسي أو البرونزي.

وتأتي النتائج الجديدة لتقدم، بحسب الفريق العلمي، أول تأريخ دقيق لمراحل بناء المنشأة، مؤكدة وجود بنية دفاعية ترابية واسعة النطاق تعود إلى العصر البرونزي. ويربط الباحثون هذه المعطيات بالتغيرات التي عرفها غرب المتوسط خلال الفترة نفسها، بما في ذلك ظهور مجتمعات محصنة في جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية، ولا سيما ما يعرف بالحضارة الأرغارية.

كما كشفت الأبحاث عن استمرار النشاط بالموقع خلال العصور الوسطى، حيث أظهرت أسبار أثرية في شمال الموقع وجود مدافن، من بينها قبر يرجع تأريخه بالكربون المشع إلى القرن الثالث عشر الميلادي. وجاء هذا الاكتشاف عقب إفادات من سكان المنطقة بشأن ظهور بقايا بشرية خلال أشغال بناء حديثة، ما دفع الفريق إلى توسيع عمليات البحث لتحديد الامتداد الكامل للمقبرة.

وفي جزء آخر من الموقع، أسفرت أعمال التنقيب في طبقات تعود إلى أواخر الألفية الرابعة قبل الميلاد عن اكتشاف فؤوس حجرية مصقولة داخل طبقات أثرية غير مضطربة، في أول العثور عليها ضمن تنقيب علمي مراقب بالموقع، إضافة إلى أكثر من 1900 قطعة فخارية في مساحة لا تتجاوز 25 متراً مربعاً.

وتشير هذه المعطيات إلى أن «واد بهت» لا يمثل موقعاً أثرياً مرتبطاً بفترة زمنية واحدة، بل «مشهد أثري متكامل» شهد استقرار مجموعات بشرية متعاقبة على مدى نحو خمسة آلاف سنة، من مجتمعات العصر الحجري الحديث إلى بناة العصر البرونزي وسكان القرى خلال العصور الوسطى.

وينظم أبحاث الموقع «مشروع واد بهت الأثري» تحت إشراف المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، وبشراكة مع المجلس الوطني للبحوث بإيطاليا وجامعة كامبريدج، وبدعم من مؤسسات علمية دولية، وبالتنسيق مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل والسلطات والمجتمعات المحلية.