إلى عمر محمود بنجلون: الأمازيغية ليست امتيازاً حتى نسأل لماذا أُنفِق عليها

ليس المطلوب اليوم أن نهاجم عمر محمود بنجلون لأنه تحدث عن اللغة العربية، ولا أن نحوله إلى خصم للأمازيغية لمجرد أنه أثار مسألة مكانة العربية داخل المؤسسات. فالعربية لغة رسمية، ومن حق أي برلماني أن يسائل الحكومة حول سياساتها تجاهها.
لكن من حقنا، نحن المدافعين عن الأمازيغية، أن نسائل بدورنا السيد بنجلون: لماذا تتحول الاعتمادات الموجهة إلى إنصاف الأمازيغية إلى موضوع للمقارنة، بدل أن تكون مناسبة لمساءلة الحكومة عن مدى كفايتها ونجاعة صرفها؟
لقد أشار بنجلون في مداخلته البرلمانية إلى مبلغ ملياري درهم مخصص للأمازيغية، وطالب في المقابل بمزيد من العناية بالعربية. ثم عاد لاحقاً ليؤكد أن هذا المبلغ نفسه لا يرقى إلى تطلعات الحركة الأمازيغية.
وهنا تحديداً يبدأ السؤال الحقيقي.
إذا كان المبلغ غير كافٍ، فنحن نتفق.
وإذا كانت الحكومة تستعمل هذا الرقم لتقديم صورة وردية عن حصيلة تنزيل الأمازيغية، فنحن أيضاً نطالب بالمحاسبة.

لكن ما نرفضه هو أن تتحول الأمازيغية إلى الطرف الذي ينبغي أن يبرر لماذا حصل على هذا التمويل، وكأن استعادة لغة رسمية عانت طويلاً من التهميش أصبحت امتيازاً يحتاج إلى تبرير.
الأمازيغية ليست منحة من الحكومة، وليست مشروعاً لجمعية، وليست هدية من أي حزب سياسي.
إنها لغة رسمية للدولة المغربية بموجب الدستور، وبالتالي فإن تمويل تنزيل رسميتها ليس تفضلاً من الحكومة على المغاربة، وإنما هو جزء من مسؤوليتها الدستورية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي كان ينبغي أن يُطرح داخل البرلمان ليس: لماذا خُصص مليارا درهم للأمازيغية؟
بل:
أين صُرفت هذه الأموال؟ ماذا تحقق بها؟ كم مؤسسة أصبحت تستعمل الأمازيغية؟ كم مدرسة؟ كم مستشفى؟ كم محكمة؟ كم إدارة؟ كم وثيقة رسمية؟ وما هي النتائج الفعلية التي استفاد منها المواطن؟
هذه هي المساءلة التي ننتظرها من البرلمان.
ثم إن مقارنة العربية بالأمازيغية على أساس الاعتمادات المالية قد تبدو منطقية لأول وهلة، لكنها تتجاهل الفرق التاريخي الهائل في موقع اللغتين داخل الدولة والمجتمع والتعليم والإدارة والإعلام.
العربية لم تبدأ اليوم من الصفر.
أما الأمازيغية، فإن تنزيل رسميتها يأتي بعد عقود طويلة من التهميش المؤسساتي، ولذلك فإن إنصافها يحتاج إلى استثمار استثنائي لتدارك اختلال تاريخي.
ومن غير المنطقي أن نقول للمواطن الأمازيغي: لماذا ننفق على لغتك؟
الأجدر أن نقول له: لقد تأخرنا كثيراً، وعلينا أن نسرع.
وفي الوقت نفسه، لا مشكلة لدينا في الدفاع عن العربية.
بل إن الدفاع عن العربية حق مشروع، كما أن الدفاع عن الأمازيغية حق مشروع.
لكن المشكلة تبدأ عندما تُستعمل إحدى اللغتين لتقليص شرعية الأخرى.
نحن لا نريد أمازيغية ضد العربية، ولا عربية ضد الأمازيغية.
نريد دولة تحترم لغتيها الرسميتين، وتتعامل معهما باعتبارهما مسؤولية دستورية، لا ورقة في الصراع السياسي.
أما بالنسبة إلى اليسار، فإن الأمر يستحق نقاشاً أعمق.
فاليسار المغربي مطالب بأن يقطع نهائياً مع كل بقايا التصورات القومية التي تنظر إلى المغرب من خلال مرآة المشرق، وأن يبني مشروعه على الواقع المغربي كما هو: بلد متعدد الروافد، أمازيغي الجذور، عربي اللسان لدى جزء كبير من مواطنيه، أفريقي ومتوسطي في امتداده، وإسلامي في تاريخه، ومغربي قبل كل شيء.
وإذا كان عمر محمود بنجلون يؤكد اليوم أن اليسار في طليعة المدافعين عن القضية الأمازيغية، فإننا نطالبه بأن يجعل هذا الموقف ممارسة سياسية واضحة، لا مجرد توضيح بعد اندلاع الجدل.
نريد أن نرى اليسار في مقدمة المطالبين بتنزيل كامل ورش الأمازيغية.
نريد مساءلة الحكومة عن الميزانية.
نريد معرفة أين تصرف مليارا الدرهم.
نريد أجندة زمنية واضحة.
نريد الأمازيغية في التعليم والإدارة والقضاء والصحة والإعلام والفضاء العام.
ونريد كذلك من اليسار أن يعترف بأن المراجعة الفكرية تجاه القضية الأمازيغية لم تنته بعد، وأن بعض رواسب الماضي ما زالت تحتاج إلى نقد صريح وشجاع.
وفي المقابل، نحن في الحركة الأمازيغية لسنا معفيين من النقد الذاتي.
علينا ألا نسقط في فخ تحويل كل نقاش حول العربية إلى عداء للأمازيغية، كما علينا ألا نحول كل نقد للأمازيغية إلى مؤامرة ضدها.
لكن النقد الذاتي لا يعني الصمت.
والتسامح لا يعني التنازل عن الحقوق.
والحرص على الوحدة الوطنية لا يعني دفن الأسئلة التاريخية.
لذلك، فإن جوابنا لعمر محمود بنجلون بسيط:
نعم، دافع عن العربية، فهذا حقك. ولكن لا تجعل الأمازيغية هي الفاتورة التي ينبغي أن تؤدى مقابل ذلك.
طالب الحكومة بأن تنصف العربية، ونحن سنطالب الحكومة بأن تنصف الأمازيغية.
طالب بتحسين أداء الحكومة في العربية، ونحن سنطالبها بتحسين أدائها في الأمازيغية.
اسأل عن المال المخصص للعربية، ونحن سنسأل عن المال المخصص للأمازيغية.
لكن دعونا نضع اللغتين في مكانهما الصحيح:
لغتان رسميتان لدولة واحدة، وشعب واحد، ومواطنة واحدة.
أما الأمازيغية، فلن تكون مرة أخرى ورقة انتخابية، ولا ذريعة للصراع الحزبي، ولا ضحية لسوء التفاهم بين اليسار والحكومة.
إنها حق دستوري، وقضية عدالة تاريخية، ومكون أساسي من مكونات المغرب.
والذي يريد فعلاً الدفاع عنها لا يحتاج إلى أن يبرر وجودها؛ بل يحتاج إلى أن يدافع عن حقها في أن تكون حاضرة في حياة المغاربة اليومية.
الأمازيغية لا تطلب امتيازاً… إنها تطالب بحق تأخر إنصافه.
هذا النص يمكن أيضاً جعله أكثر حدة وراديكالية تجاه بنجلون واليسار تحديداً، مع التركيز على سؤال: ماذا قدم اليسار المغربي فعلياً للأمازيغية؟
طنجة 27/10/2026
محي الدين العيادي