كشفت دراسة علمية حديثة أن مياه الصرف الصحي ومياها جوفية بمنطقة في وجدة تحتوي على بقايا عدد من الأدوية المستخدمة في علاج السرطان، ما يثير مخاوف بيئية بشأن انتقال هذه المركبات إلى الموارد المائية والأنظمة الزراعية.
الدراسة، المنشورة في عدد غشت 2026 من مجلة Journal of Ecological Engineering، والتي شملت الفترة ما بين 2019-2021 أنجزها باحثون من جامعة محمد الأول بوجدة ومؤسسات صحية وأكاديمية بالجهة الشرقية، وركزت على خمسة أدوية مضادة للسرطان، هي: السيكلوفوسفاميد (Cyclophosphamide)، والإيفوسفاميد (Ifosfamide)، و5-فلورويوراسيل (5-FU)، والدوكسوروبيسين (Doxorubicin)، والإيتوبوسيد (Etoposide).
واعتمد الباحثون على عينات من مياه الصرف الداخلة والخارجة من مركز الأنكلوجية بمنطقة المزوارية بوجدة، إضافة إلى مياه معالجة خارجة من محطة معالجة مياه الصرف الصحي، ومياه جوفية من بئر يقع على بعد نحو 200 متر من المستشفى وعلى عمق يتراوح بين 100 و120 مترا.
وأظهرت النتائج وجود الأدوية الخمسة في مياه الصرف الصحي الداخلة والخارجة من المستشفى، بتركيزات بلغت في المياه الخارجة ما بين 4.592 و467.036 ميكروغراما لكل لتر، بحسب المركب الدوائي. وسجل السيكلوفوسفاميد تركيزا أقصى بلغ 361.54 ميكروغراماً/لتر في خزان الصرف العام، بينما بلغ تركيز الإيفوسفاميد 289.13 ميكروغراماً/لتر، و5-فلورويوراسيل 127.93 ميكروغراماً/لتر، والإيتوبوسيد 103.752 ميكروغراماً/لتر، والدوكسوروبيسين 70.589 ميكروغراماً/لتر.
الأكثر إثارة للانتباه، وفق الدراسة، هو رصد هذه المركبات أيضا في المياه الجوفية. فقد بلغت تركيزات السيكلوفوسفاميد 95.72 ميكروغراماً/لتر، والإيفوسفاميد 72.267 ميكروغراماً/لتر، و5-فلورويوراسيل 26.436 ميكروغراماً/لتر، فيما تم رصد الدوكسوروبيسين بتركيز أقل بلغ 5.989 ميكروغراماً/لتر، بينما لم يتم الكشف عن الإيتوبوسيد أو كان تركيزه دون حد الكشف.
كما رصدت الدراسة في المياه الخارجة من محطة معالجة مياه الصرف الصحي والمصرفة نحو وادي بونعيم تركيزات مرتفعة من السيكلوفوسفاميد والإيفوسفاميد و5-فلورويوراسيل، بلغت على التوالي 467.036 و392.274 و342.067 ميكروغراماً/لتر، بينما بلغ تركيز الإيتوبوسيد 5.866 ميكروغراماً/لتر، ولم يتم الكشف عن الدوكسوروبيسين أو كان دون حد الكشف.
وحذرت الدراسة من أن بعض هذه المركبات تبدو مقاومة نسبيا للمعالجة التقليدية لمياه الصرف، الأمر الذي قد يسمح باستمرار وجودها في البيئة المائية. كما أشارت إلى أن المياه المعالجة المصروفة إلى وادي بونعيم مصنفة ضمن فئة تسمح بإعادة استخدامها في ري بعض الزراعات، وهو ما يفتح احتمال انتقال بقايا الأدوية إلى التربة والمحاصيل، وإن كان هذا المسار يحتاج إلى مزيد من البحث لإثباته بشكل قاطع.
ويرى الباحثون أن وجود هذه المركبات في المياه الجوفية بالقرب من مركز الأنكولوجيا يتوافق مع احتمال تأثر المياه الجوفية بمخلفات المنشأة الصحية، مع الإشارة إلى أن الدراسة اعتمدت على عينة واحدة من المياه الجوفية، وبالتالي لا تسمح وحدها بتحديد مدى انتشار التلوث زمانيا ومكانيا.
وخلصت الدراسة إلى أن النتائج تقدم أولى المعطيات حول وجود بقايا أدوية مضادة للسرطان في الدورة المائية بمنطقة وجدة، داعية إلى تحسين تدبير مياه الصرف الصادرة عن المستشفيات، وتعزيز مراقبة المياه الجوفية، وتوسيع نطاق الدراسات لتشمل فترات ومناطق مختلفة، فضلا عن دراسة إمكانية انتقال هذه المركبات إلى المحاصيل الزراعية التي تروى بالمياه المعالجة.
وأكد الباحثون أن نتائج الدراسة، رغم أهميتها، تظل أولية بسبب محدودية عدد المركبات المدروسة وعدم تحليل نواتج الأيض والتحولات الكيميائية لهذه الأدوية، إضافة إلى محدودية عينات المياه الجوفية، ما يستدعي إجراء دراسات أوسع لتقييم المخاطر البيئية والصحية بشكل أدق.

