طالبت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان رئيسة الحكومة المعينة بإدماج مقاربة حقوقية شاملة في البرنامج الحكومي والتصريح المرتقب تقديمه أمام البرلمان، داعية إلى جعل حقوق الإنسان بمختلف أجيالها مرجعا أساسيا للسياسات العمومية، وضمان احترام الحقوق والحريات دون تمييز.
وأكدت الجمعية، في مذكرة مطلبية وترافعية موجهة إلى رئيسة الحكومة المعينة، أن التصريح الحكومي المرتقب يشكل إطارا مرجعيا لعمل الحكومة خلال ولايتها، وأساسا للمساءلة والمراقبة والمحاسبة، مستندة في مطالبها إلى الالتزامات الدولية للمغرب، ولا سيما العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى مقتضيات الدستور المغربي.
واعتبرت الجمعية أن رصدها وتتبعها لأوضاع حقوق الإنسان أظهر، بحسب تقديرها، تدهورا طال معظم الحقوق والحريات خلال الفترات الحكومية السابقة، بسبب تغييب البعد الحقوقي في البرامج والتوجهات الحكومية، داعية إلى اعتماد استراتيجيات جديدة لحماية حقوق الإنسان وترسيخها والنهوض بها، وجعلها خيطا ناظما لمختلف السياسات العمومية.
المصادقة على الاتفاقيات الدولية وإصلاح المنظومة التشريعية
وشددت المذكرة على ضرورة استكمال انضمام المغرب إلى الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وفي مقدمتها البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الهادف إلى إلغاء عقوبة الإعدام، مع تحويل الوقف الفعلي لتنفيذها، القائم منذ سنة 1993، إلى إلغاء تشريعي صريح.
كما دعت إلى المصادقة على البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والبروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل المتعلق بإجراء تقديم البلاغات، والانضمام إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والتصديق على الاتفاقيات الأساسية لمنظمة العمل الدولية، خصوصا الاتفاقيتين المتعلقتين بالحرية النقابية ومناهضة العنف والتحرش في عالم العمل.
وطالبت الجمعية أيضا بسحب التحفظات والإعلانات التفسيرية المتبقية على الاتفاقيات الأساسية لحقوق الإنسان، ونشر الاتفاقيات المصادق عليها في الجريدة الرسمية باللغتين الرسميتين، وتعزيز التعاون مع الآليات الدولية لحقوق الإنسان وتنفيذ توصياتها، إلى جانب التصديق على عدد من الاتفاقيات الإقليمية، ولا سيما الإفريقية والأوروبية ذات الصلة بحماية حقوق الإنسان.
وعلى المستوى الدستوري والتشريعي، دعت الجمعية إلى إصلاحات تضمن ملاءمة القوانين الوطنية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وتفعيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بالحقوق والحريات، واعتماد تشريع شامل لمناهضة التمييز، إلى جانب مراجعة عدد من القوانين التي ترى أنها لا تنسجم مع المرجعية الدولية، من بينها القوانين المتعلقة بالمسطرة الجنائية والمدنية، والإضراب، والصحافة، ومهنة المحاماة، والتعليم المدرسي والعالي.
كما طالبت بوضع خطة وطنية جديدة لحماية وتعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية، بمشاركة الحركة الحقوقية، وتعزيز استقلالية الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب، وإحداث هيئة عليا مستقلة للإشراف على الانتخابات بما يضمن، وفق المذكرة، نزاهتها وشفافيتها وتكافؤ الفرص بين المتنافسين.
مطالب بإطلاق سراح المعتقلين وضمان حرية التعبير
وفي ما يتعلق بالحقوق المدنية والسياسية، دعت الجمعية إلى تعديل القانون الجنائي بما يتلاءم مع المعايير الدولية، وتجريم الاختفاء القسري، ومراجعة المقتضيات التي تعتبرها مقيدة للحريات الفردية وحرية التعبير والتجمع السلمي، فضلا عن إلغاء الفصل 288 المتعلق بتجريم بعض الأفعال المرتبطة بممارسة الحريات النقابية.
وطالبت بمراجعة قانون المسطرة الجنائية لتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، بما يشمل تقليص مدة الحراسة النظرية، وضمان حضور الدفاع أثناء الاستماع، ومراجعة المقتضيات المتعلقة بانتصاب الجمعيات طرفا مدنيا في قضايا المال العام، إلى جانب تعزيز الرقابة القضائية على صلاحيات النيابة العامة.
ودعت المذكرة إلى الطي النهائي لملفات الاعتقال السياسي والتعسفي، والإفراج عن المعتقلين السياسيين والصحفيين ونشطاء وسائل التواصل الاجتماعي ومعتقلي حراك الريف وجيل Z، مع إصدار عفو تشريعي عام، وفق ما ورد في مطالب الجمعية.
كما طالبت بضمان استقلال القضاء، وتحسين ظروف السجون ومعالجة الاكتظاظ، والتحقيق في مزاعم التعذيب وترتيب المسؤوليات وجبر أضرار الضحايا، وإلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا التعبير، واعتماد قانون الصحافة والنشر في المخالفات المرتبطة بالعمل الصحفي.
وشملت المطالب كذلك وضع قانون يحمي حرية التعبير في الفضاء الرقمي، ومراجعة قانون الحصول على المعلومات، وحماية الخصوصية والمعطيات الشخصية، والتحقيق في التقارير التي تتحدث عن استعمال وسائل مراقبة وتجسس غير قانونية، فضلا عن مراجعة الإطار القانوني لتأسيس الجمعيات وضمان تسليم وصولات الإيداع داخل الآجال القانونية.
الصحة والتعليم والشغل والحماية الاجتماعية
وفي محور الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، دعت الجمعية إلى اعتماد نظام اقتصادي يضمن التوزيع العادل للثروات والتنمية المستدامة، ومراجعة النظام الضريبي باتجاه تكريس المساواة أمام الضريبة واعتماد الضريبة التصاعدية، وإحداث نظام جبائي على الثروة والممتلكات غير المنتجة والأنشطة المضارباتية.
كما طالبت بإلغاء المديونية الخارجية للمغرب، ومراجعة اتفاقيات الشراكة والتبادل الحر، ووضع حد للإفلات من العقاب في الجرائم الاقتصادية، وتقييم تنزيل منظومة الحماية الاجتماعية من منظور حقوقي، ومراجعة السجل الاجتماعي الموحد لتفادي إقصاء المستحقين.
وفي مجال الشغل، دعت إلى ضمان الحق في العمل دون تمييز، وتحسين الأجور والحماية الاجتماعية، وإدماج العاملين في القطاع غير المهيكل في النسيج الاقتصادي، مع تمكينهم من حقوقهم الشغلية، والمصادقة على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالحرية النقابية والضمان الاجتماعي ومناهضة العنف والتحرش في أماكن العمل.
وبخصوص التعليم، طالبت بضمان تعليم عمومي مجاني وجيد للجميع، والرفع من الميزانية المخصصة للقطاع، وتوسيع المؤسسات التعليمية وتوفير الموارد البشرية الكافية، وتحسين البنيات التحتية، ومحاربة الاكتظاظ والهدر المدرسي، ووقف خوصصة التعليم، ومراجعة المناهج والمقررات بما يضمن إدماج قيم حقوق الإنسان.
كما دعت إلى توسيع العرض في التعليم العالي والتكوين المهني، وتعزيز المنح والسكن والإطعام الجامعي، ودعم البحث العلمي وضمان استقلالية الجامعة والحريات الأكاديمية، مع إشراك التلاميذ والطلبة والأطر التربوية والأساتذة الباحثين في صياغة السياسات التعليمية وتقييمها.
أما في قطاع الصحة، فطالبت بالرفع من الميزانية المخصصة له، ومعالجة الخصاص في المستشفيات والأطر الطبية والأدوية، وتوفير العلاج الجيد والمجاني، وتحسين التغطية الصحية، وتعزيز الرعاية الصحية النفسية والصحة الجنسية والإنجابية، ووقف خوصصة القطاع بما يضمن أولوية المرفق الصحي العمومي.
ودعت الجمعية كذلك إلى توفير السكن اللائق، والتصدي لغلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، والتراجع عن قرار تصفية صندوق المقاصة، وضمان الحق في الماء الصالح للشرب وخدمات الصرف الصحي بأسعار منخفضة، ومجانية هذه الخدمات بالنسبة للفئات المحرومة، إلى جانب حماية البيئة والتصدي لتغير المناخ وتعزيز الوقاية من الكوارث الطبيعية.
المساواة بين النساء والرجال وحماية الطفولة والشباب
وفي ما يخص حقوق النساء والمساواة، طالبت الجمعية برفع التحفظات المتبقية على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وملاءمة التشريعات الوطنية معها، والتسريع بإخراج مشروع تعديل مدونة الأسرة بما يضمن المساواة داخل الأسرة وحماية حقوق الأطفال.
كما دعت إلى مراجعة القوانين المتعلقة بمناهضة العنف ضد النساء، وتشديد الحماية من الاغتصاب والتحرش، وتوفير الرعاية الطبية والنفسية للضحايا، وحماية النساء من الاتجار بالبشر، والاعتراف بالحقوق الإنجابية، ومراجعة التشريعات المتعلقة بالإيقاف الطوعي للحمل في الحالات التي حددتها المذكرة.
وشملت المطالب اعتماد مقاربة النوع الاجتماعي في السياسات العمومية، وإقرار تمثيلية لا تقل عن الثلث للنساء في مختلف مواقع المسؤولية، في أفق تحقيق المناصفة، مع تفعيل هيئة المناصفة ومكافحة جميع أشكال التمييز وتعزيز استقلاليتها وصلاحياتها.
وبالنسبة إلى الشباب، دعت الجمعية إلى وضع سياسة وطنية شاملة تستجيب لانتظاراتهم، وضمان فرص الشغل والتكوين المهني، وتعزيز مشاركتهم في الحياة السياسية والنقابية والجمعوية، وتوفير الدعم للأنشطة الثقافية والرياضية والإبداعية، مع تخصيص نسبة دنيا من المقاعد للشباب في المؤسسات المنتخبة.
أما في مجال الطفولة، فطالبت بوضع سياسة وطنية لحماية الأطفال من العنف والاستغلال، وضمان التعليم المجاني والجيد والرعاية الصحية والنفسية، وحماية الأطفال في وضعية الشارع والأطفال المهاجرين واللاجئين والقاصرين غير المصحوبين، وتجريم تشغيل الأطفال دون السن القانوني، وإحداث آلية مستقلة لتلقي شكايات الأطفال ضحايا الانتهاكات.
إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة وحماية المهاجرين والمسنين
ودعت الجمعية إلى تفعيل القوانين المتعلقة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتسريع إصدار المراسيم التطبيقية، خصوصا المرتبطة ببطاقة الإعاقة، وضمان حق هذه الفئة في التعليم والصحة والسكن والشغل دون تمييز، مع تخصيص نسبة 7 في المائة من مناصب الشغل في الوظيفة العمومية لها، وتوسيع هذا الإجراء ليشمل القطاع الخاص.
كما طالبت بتحسين الولوجيات في المباني ووسائل النقل والفضاءات العمومية، وتوفير خدمات صحية متخصصة وبرامج لإعادة التأهيل، وحماية النساء والفتيات ذوات الإعاقة من العنف والاستغلال، وإشراك المنظمات الممثلة لهذه الفئة في إعداد السياسات العمومية.
وفي ما يتعلق بالمهاجرين وطالبي اللجوء، شددت المذكرة على ضرورة إخراج قانون خاص باللجوء، وضمان حقوق المهاجرين واللاجئين في التعليم والصحة والسكن والعمل، ومراجعة القانون المنظم لدخول الأجانب وإقامتهم والهجرة غير النظامية، وتوفير سبل الطعن في قرارات الترحيل والطرد، واحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية.
كما دعت إلى معالجة الانتهاكات المرتبطة بموجات النزوح نحو سبتة ومليلية، وحماية النساء والأطفال والقاصرين غير المصحوبين، ومراجعة اتفاقيات إعادة القبول الثنائية بما ينسجم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وبشأن الأشخاص المسنين، طالبت الجمعية بتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة لضمان العيش الكريم، وتأمين معاشات تحفظ الكرامة، وتوفير الرعاية الصحية والعلاج والسكن الملائم، وضمان الحق في التنقل والأنشطة الرياضية والثقافية والترفيهية، وتمكينهم من الاستفادة من التطور الرقمي، مع مراعاة المعايير الدولية ذات الصلة.
حماية المدافعين عن حقوق الإنسان والتضامن الدولي
وفي محور المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان، اعتبرت الجمعية أن هذه الفئة تواجه، وفق تقييمها، تضييقا يشمل الاعتقالات والمتابعات القضائية والقيود المفروضة على الجمعيات الحقوقية والصحفيين والنشطاء.
وطالبت بتوفير حماية قانونية للمدافعين عن حقوق الإنسان، ووقف المتابعات القضائية ضد الصحفيين والمدونين ونشطاء وسائل التواصل الاجتماعي، وإحداث آلية وطنية مستقلة لتلقي شكاياتهم والتحقيق في الانتهاكات التي يتعرضون لها، إلى جانب ضمان حرية التنظيم الجمعوي والنقابي، وحماية المعطيات الشخصية، ووضع حد للإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضدهم.
كما دعت إلى إشراك الحركة الحقوقية في إعداد السياسات العمومية والتقارير الحكومية المتعلقة بتنفيذ المعاهدات الدولية، وتعزيز التعاون مع المقررين الخاصين للأمم المتحدة، وتوفير الدعم للجمعيات الحقوقية المستقلة وضمان وصولها إلى الفضاءات العمومية والإعلام العمومي.
وعلى الصعيد الدولي، تضمنت المذكرة مطالب بمراجعة ميثاق الأمم المتحدة بما يعزز المساواة بين الشعوب وحقها في تقرير المصير والتصرف في ثرواتها، ومواجهة ما وصفته الجمعية بسياسة الكيل بمكيالين في التعامل مع النزاعات الدولية وانتهاكات حقوق الإنسان.
كما دعت إلى إلغاء الاتفاقية المبرمة مع إسرائيل في 22 دجنبر 2020، وإنهاء مختلف الاتفاقيات اللاحقة ومسار التطبيع السياسي والاقتصادي والثقافي والعسكري والأمني، والانسحاب من «مجلس السلام» الذي أشارت إليه المذكرة، واتخاذ مبادرات لوقف الاحتلال الإسرائيلي والحرب على غزة، وتمكين الشعب الفلسطيني من حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة والديمقراطية على كامل أراضيه وعاصمتها القدس.
وطالبت الجمعية أيضا بالمساهمة في تنفيذ قرار المحكمة الجنائية الدولية بشأن إلقاء القبض على رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه السابق، وإدانة التدخلات الأجنبية في عدد من الدول، ووقف العدوان على الشعب الإيراني، وتعزيز حق الشعوب في التنمية والتصرف في ثرواتها، إلى جانب المساهمة في بناء اتحاد المغرب الكبير على أساس الديمقراطية وحقوق الإنسان بمفهومها الكوني.
وتؤكد المذكرة، في مجمل محاورها الاثني عشر، أن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تسعى إلى جعل احترام الحقوق والحريات بمختلف أبعادها أساسا للبرنامج الحكومي المرتقب، مع تحديد أولويات تشريعية ومؤسساتية واجتماعية تتيح، بحسب تصورها، الانتقال من الالتزامات المعلنة إلى ضمانات فعلية لحماية حقوق المواطنات والمواطنين.

