طنجة.. مدينتان في مدينة واحدة

عمر لمعلم

تعيش طنجة مفارقة تستحق التأمل. فمن جهة، هي مدينة تتوسع وتتجدد، وتتعزز مكانتها الاقتصادية والسياحية، وتتوفر على مؤهلات طبيعية وعمرانية وثقافية تجعلها من أبرز الحواضر المغربية. ومن جهة أخرى، هي مدينة تواجه في بعض أحيائها وشوارعها مظاهر الفوضى والإهمال، من تراكم النفايات وتشويه الواجهات إلى اختلالات السير واحتلال الفضاءات العامة.

إنها طنجة التي تتقدم في واجهتها العمرانية، لكنها لا تنجح دائما في تعميم هذا التقدم على تفاصيل الحياة اليومية. طنجة الفنادق والشواطئ والمشاريع الكبرى، وطنجة الأزقة المتسخة والأسواق المضطربة، والسلوكات التي تجعل التنقل في بعض شوارعها تجربة مرهقة، سواء بالنسبة إلى سكانها أو زوارها.

قبل سنوات، كانت المدينة ترتبط في أحاديث الناس، بمظاهر السرقة وقطع الطريق والبناء العشوائي وانتشار المخدرات وفوضى الأسواق وضعف احترام قانون السير. ثم بدأت ملامح التحسن تظهر تدريجيا، من خلال مشاريع التهيئة والتجديد وتحسين بعض الفضاءات والشوارع، بما أعاد إلى طنجة جزءا من جاذبيتها وعزز صورتها، كمدينة منفتحة على الاستثمار والسياحة.

غير أن هذا التحسن لا يبدو متساويا في جميع المناطق. ففي الوقت الذي تستفيد فيه بعض الشوارع والفضاءات من التنظيم والعناية، تعود مظاهر الفوضى إلى مواقع أخرى، وكأن المدينة تتقدم في اتجاه وتتراجع في اتجاه مواز. تتراكم النفايات في بعض النقط، وتتحول أراض عارية إلى مطارح عشوائية للأثاث القديم وبقايا البناء، فيما تبدو واجهات عدد من العمارات والإقامات السكنية متسخة أو مهملة، رغم أن البناء المتواصل غيّر ملامح أحياء بكاملها.

ولا تقف المفارقة عند النظافة والتعمير. فحركة السير تكشف بدورها عن ضعف احترام قواعد يفترض أن تكون بديهية، من الوقوف فوق ممرات الراجلين إلى عدم احترام الأسبقية، بل وإعاقة مرور سيارات الإسعاف في حالات تستدعي التدخل العاجل. وفي بعض الأحياء، تثير مشاهد العراك وترويع السكان مخاوف بشأن الأمن اليومي، بينما يطرح وجود أشخاص في وضعية تشرد أسئلة اجتماعية وإنسانية لا يمكن اختزالها في مجرد إبعادهم عن الشوارع.

أما الأسواق، وهي فضاءات أساسية للحياة الاقتصادية والاجتماعية، فتحتاج بدورها إلى تنظيم يضمن النظافة وسلامة الأغذية واحترام حقوق المستهلكين. فغير مقبول أن تتحول حاجة الناس إلى التسوق، إلى مناسبة للتعرض لسلوكات غير مسؤولة، سواء تعلق الأمر بجودة الأطعمة المعروضة أو بشروط حفظها أو باستغلال الفضاء العام. والمطلوب هنا ليس التضييق على التجار والمهنيين الملتزمين، بل مراقبة الجميع وتطبيق القانون على المخالفين، بما يحمي المستهلك ويحافظ على كرامة التاجر وصورة المدينة.

وتزداد هذه المفارقات وضوحا مع التوسع العمراني الذي تعرفه طنجة. فالإقامات السكنية تنتشر في أحياء عديدة، لكن كثرة العمارات لا تعني بالضرورة أن المدينة أصبحت أكثر ملاءمة للعيش. إذ يحتاج السكان إلى مساحات خضراء وفضاءات للترفيه والرياضة، ومواقف للسيارات، ومرافق إدارية واجتماعية قريبة من أماكن إقامتهم. وعندما تتكدس الأنشطة والخدمات في وسط المدينة، يزداد الضغط على الطرق والمرافق، ويضطر المواطن إلى قطع مسافات طويلة لإنجاز إجراءات إدارية قد لا تستغرق سوى دقائق لولا الازدحام.

وفي هذا السياق، يمكن التفكير في إحداث مجمع إداري متكامل يضم عددا من المصالح والمؤسسات التي يقصدها المواطنون باستمرار، مع دراسة إمكانية تجميع مقر العمادة والولاية ومرافق إدارية أخرى في فضاء مناسب، متى سمحت متطلبات الاختصاص والتنظيم بذلك. ويمكن، بالتوازي، إحداث مراكز خدمات إدارية في أحياء المدينة الكبرى، حتى لا يظل وسط طنجة الوجهة شبه الإلزامية لكل من يريد إنجاز معاملة أو الحصول على وثيقة.

كما تحتاج الأحياء إلى فضاءات عمومية حقيقية، لا تقتصر على الطرق والمباني، بل تشمل ساحات وحدائق وملاعب للقرب وأماكن آمنة للأطفال والشباب والعائلات. فالمدينة التي تتوسع عمرانيا، من دون أن يتوسع نصيب سكانها من الفضاءات المشتركة تخاطر، بتحويل أحيائها إلى تجمعات سكنية مكتظة، تفتقر إلى مقومات الراحة والتواصل والحياة الجماعية.

ولا ينبغي أن تغيب عن هذه الصورة المؤهلات الثقافية والتاريخية التي تزخر بها طنجة. فالمدينة لا تُختزل في شواطئها وفنادقها ومشاريعها الحديثة، بل تتوفر أيضا على مآثر تاريخية ومتاحف وفضاءات فنية وثقافية تستحق مزيدا من العناية والتعريف. ويمكن لهذه المؤهلات أن تشكل جزءا من مشروع متكامل لتطوير السياحة، شريطة أن تتوفر للزائر مدينة نظيفة ومنظمة، وأن يجد في أحيائها وأسواقها وشوارعها ما يعزز الانطباع الإيجابي الذي تتركه معالمها ومرافقها.

وتزداد أهمية هذه القضايا مع استعداد المغرب لاحتضان تظاهرات دولية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم لكرة القدم سنة 2030. فاستقبال الزوار لا يتوقف على تجهيز الملاعب والفنادق والطرق، بل يتطلب أيضا مدينة قادرة على ضمان النظافة وسلاسة التنقل وجودة الخدمات وسلامة الفضاء العام. والصورة التي يحملها الزائر معه لا تصنعها المشاريع الكبرى وحدها، بل تصنعها كذلك تفاصيل صغيرة قد تبدو عادية لدى السكان، لكنها تترك أثرا قويا لدى من يزور المدينة للمرة الأولى.

وهنا يبرز السؤال الذي يستحق النقاش: لماذا تتراجع بعض مظاهر النظام والنظافة واحترام القانون، رغم التحسن العمراني والمشاريع التي عرفتها طنجة؟ هل يتعلق الأمر بضعف المراقبة، أم بخلل في تدبير بعض الخدمات، أم بتراجع ثقافة احترام الفضاء المشترك، أم بتداخل هذه العوامل وغيرها؟ وهل تواكب سرعة التوسع العمراني قدرة المؤسسات على توفير الخدمات ومراقبة المخالفات؟ إنها أسئلة لا يكفي إطلاق الأحكام للإجابة عنها، بل تحتاج إلى تشخيص ميداني ومعطيات واضحة واستماع إلى السكان والجهات المسؤولة.

لكن انتظار التشخيص لا يمنع اقتراح خطوات عملية. فالنظافة تحتاج إلى صيانة منتظمة للأماكن المخصصة للنفايات، ومراقبة رمي الأثاث ومخلفات البناء، وتطبيق الغرامات على المخالفين. وحركة السير تحتاج إلى مراقبة فعلية لممرات الراجلين، والتصدي للسلوكات التي تعرقل سيارات الإسعاف، وتعزيز احترام القانون من خلال التوعية والمحاسبة معا. كما تتطلب الأسواق مراقبة صحية وتجارية منتظمة، وتقتضي معالجة مظاهر العنف والتشرد مقاربة تجمع بين حماية السكان والتدخل الاجتماعي واحترام كرامة الأشخاص في وضعية هشاشة.

أما التوسع العمراني، فينبغي أن يواكبه تخطيط يضمن التوازن بين السكن والخدمات والفضاءات الخضراء، مع تحسين توزيع المصالح الإدارية وتقريبها من المواطنين. ولا يقل أهمية عن ذلك نشر ثقافة المسؤولية المشتركة، لأن الفضاء العام ملك للجميع، والحفاظ عليه واجب على المؤسسات والمواطنين معا.

تستحق طنجة أن تكون مدينة جميلة في واجهاتها وأحيائها، منظمة في أسواقها وشوارعها، نظيفة في فضاءاتها، وآمنة لسكانها وزوارها. وما تحقق فيها من تطور لا ينبغي أن يحجب الاختلالات القائمة، كما أن هذه الاختلالات لا ينبغي أن تنسينا مؤهلات المدينة وما راكمته من مكتسبات.

فالتحدي اليوم ليس أن تختار طنجة بين صورتها الحديثة وصورتها التي تعاني من الفوضى، بل أن تجعل التقدم الذي تعرفه شاملا ومستداما، حتى لا تبقى مدينتين في مدينة واحدة: طنجة التي يراها الزائر في واجهاتها ومشاريعها، وطنجة التي يعيشها المواطن يوميا في شارعه وحيه وسوقه.