أحمد الدغرني.. حين يتحول النضال من الذاكرة إلى مشروع

في الذكرى السادسة لرحيل أمغار أحمد الدغرني، لا يكفي أن نرثيه بكلمات الوفاء، ولا أن نستعيد صوراً من مساره النضالي ثم نعود إلى واقعنا وكأن شيئاً لم يكن. فالدغرني لم يكن مناضلاً يبحث عن موقع في الصفوف، بل كان من أولئك الذين أرادوا إعادة بناء الصف الأمازيغي نفسه، وتنظيم قوته، وتحويل الوعي بالهوية إلى فعل جمعوي وحقوقي وسياسي.

رحل الدغرني في 19 أكتوبر 2020، لكن المشروع الذي حمله لم يرحل معه. فقد كان حاضراً في العمل الجمعوي والثقافي، ومنسقاً للمجلس الوطني للتنسيق بين الجمعيات الأمازيغية، ومن مؤسسي الكونغرس العالمي الأمازيغي، ثم انتقل إلى الدفاع عن ضرورة بناء أداة سياسية ذات مرجعية أمازيغية.

من الجمعية إلى التنسيق الوطني

كان الدغرني يدرك مبكراً أن قوة الحركة الأمازيغية لا يمكن أن تُبنى من خلال مبادرات متفرقة ومعزولة. لذلك كان التنسيق الوطني بين الجمعيات بالنسبة إليه أكثر من مجرد إطار تنظيمي؛ كان محاولة لبناء إرادة جماعية قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية والحساسيات التنظيمية.

وهنا تكمن إحدى أهم رسائل الدغرني للأجيال الجديدة:
لا يمكن لقضية وطنية أن تنتصر بمنطق الجزر المعزولة.

الجمعيات ضرورية، والعمل الثقافي ضروري، والنضال الحقوقي ضروري، لكن تشتت هذه الطاقات يفقدها الكثير من قدرتها على التأثير. ولذلك ظل سؤال التنسيق الوطني حاضراً في مساره، باعتباره شرطاً لبناء حركة أمازيغية أكثر قوة واستقلالية.

الدغرني.. رجل لم يرضَ بأن تبقى الأمازيغية في الهامش

كان أكثر ما يميز الدغرني هو رفضه لفكرة أن تظل الأمازيغية مجرد ملف ثقافي أو فولكلوري.

بالنسبة إليه، القضية الأمازيغية قضية مواطنة وحقوق وسياسة وعدالة ومساواة. ولذلك لم يتردد في الانتقال من الميدان الجمعوي والحقوقي إلى الميدان السياسي، مؤسساً سنة 2005 الحزب الديمقراطي الأمازيغي المغربي، في محاولة لترجمة المطالب الأمازيغية إلى مشروع سياسي.

لقد كان السؤال الذي طرحه الدغرني واضحاً:
إذا كانت الأمازيغية قد عانت من سياسات وقرارات سياسية، فلماذا لا تواجه التهميش بأدوات سياسية؟

وهنا كانت جرأته.

إلى الحركة الأمازيغية اليوم: ماذا بقي من مشروع الدغرني؟

بعد ست سنوات من رحيله، ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً ليس: ماذا قال الدغرني؟ وإنما: ماذا فعلنا نحن بما قاله؟

هل استطعنا بناء تنسيق وطني حقيقي بين الجمعيات والتنظيمات والفعاليات الأمازيغية؟

هل تجاوزنا منطق الأشخاص والاختلافات التنظيمية الصغيرة؟

هل استطعنا تحويل القوة الجمعوية والثقافية إلى قوة مجتمعية مؤثرة؟

وهل أصبح الاعتراف بالأمازيغية واقعاً يومياً في الإدارة والتعليم والإعلام والمؤسسات، أم ما زالت المسافة واسعة بين الاعتراف القانوني وبين الممارسة؟

هذه الأسئلة ليست مجرد أسئلة للذكرى؛ إنها وصية نضالية تركها الدغرني للأجيال التي جاءت بعده.

الذكرى ليست تأبيناً.. بل مسؤولية

إن تخليد أحمد الدغرني لا ينبغي أن يتحول إلى طقس سنوي نذكر فيه اسمه ونعدد إنجازاته ثم نغلق الصفحة.

الوفاء الحقيقي للدغرني هو أن نستعيد روح الجرأة التي ميزت مشروعه: الجرأة على الاختلاف، والجرأة على التنظيم، والجرأة على طرح الأسئلة، والجرأة على التفكير في المستقبل.

فالحركة الأمازيغية اليوم بحاجة إلى تنسيق وطني حقيقي، وإلى تجديد العمل الجمعوي، وإلى ربط الثقافة بالحقوق، والحقوق بالسياسة، والنضال المحلي بالرؤية الوطنية.

لقد رحل الرجل، لكن المعركة التي آمن بها لم تنتهِ.

ولهذا فإن ذكرى أحمد الدغرني ليست فقط مناسبة للحزن على رجل فقدته الأمازيغية؛ إنها مناسبة لنقول بصوت واضح:

لن يكون أفضل وفاء للدغرني هو البكاء على غيابه، بل استكمال الأسئلة التي طرحها، وبناء ما حلم به، وإعادة الاعتبار للتنسيق الوطني والعمل الجماعي، حتى لا تبقى الحركة الأمازيغية مجرد مجموع أصوات متفرقة، بل تصبح قوة مدنية منظمة، واعية، مستقلة وقادرة على التأثير.

رحم الله أمغار أحمد الدغرني.

ست سنوات على رحيله، لكن صوته ما زال يسألنا: ماذا فعلتم بعدي؟

طنجة 19/10/2026
محي الدين العيادي