حين يعتقد التلميذ أنه ضعيف في الرياضيات.. كيف يتجاوز صعوباته؟

بقلم الأستاذ عمر لمعلم  

مع بداية كل دخول مدرسي، تعود الأسر إلى أسئلتها المعتادة، هل سينجح أبناؤنا في مسايرة الدراسة؟ هل سيستوعبون الدروس؟ هل سيحافظون على نتائجهم؟ وهل سيتمكنون من الانتقال إلى مستويات أفضل؟ وبين الكتب والدفاتر والمصاريف وتنظيم الوقت، يبقى التحصيل الدراسي في مقدمة انشغالات الأسر، وتحتل الرياضيات مكانة خاصة في هذا القلق، حتى أصبحت عند كثير من الآباء والأمهات مادة يُقاس بها تفوق الابن أو تعثره.

لكن المشكلة تبدأ أحيانا قبل أن يبدأ التلميذ في دراسة الرياضيات. فهناك اعتقاد شائع بأن الرياضيات مادة معقدة، وأنها مخصصة لفئة معينة من التلاميذ، وأن فهمها يحتاج إلى ذكاء استثنائي. وقد يصل هذا الاعتقاد إلى التلميذ نفسه، فيدخل حصة الرياضيات وهو يحمل في ذهنه حكما جاهزا: «أنا ضعيف في الرياضيات». ومن الصعب أن يدخل الإنسان في مواجهة مع مسألة وهو مقتنع منذ البداية بأنه غير قادر على حلها.

والواقع أن الرياضيات، رغم ما تتطلبه من جهد وتركيز وتدرج، تتميز بشيء يجعلها في متناول الجميع بدرجات مختلفة، فهي تقوم على مفاهيم وقواعد وعلاقات دقيقة يمكن فهمها والتحقق منها. ليست مادة تقوم على الحفظ وحده، ولا تحتاج إلى ذكاء خارق حتى يتعلمها التلميذ. إنها تحتاج إلى أن يفهم ما يتعلمه، وأن يعرف كيف يستعمله، وأن يقبل على المسألة دون أن يحكم مسبقا على نفسه بالعجز.

وهنا ينبغي أن نميز بين التلاميذ. فليسوا جميعا متساوين في سرعة الفهم والوصول إلى الحل. قد يحل تلميذ تمرينا في عشر دقائق، بينما يحتاج زميله إلى ساعة وربما أكثر. لكن هذا الفرق في الزمن لا يعني بالضرورة أن الأول قادر والثاني عاجز. قد يكون الفرق في سرعة إيجاد الطريق إلى الحل، وفي مقدار الوقت الذي يحتاجه كل واحد في التفكير والمحاولة والتجريب. والتلميذ الذي يحتاج إلى وقت أطول، إذا ظل يشتغل ويحاول ويحلل أخطاءه، فإنه يتعلم ويكتسب مهارات جديدة.

بل إن طريقة استقبال التمرين نفسها يمكن أن تصنع فرقا كبيرا بين تلميذين. أحدهما يقول في ذهنه: «هذا تمرين، ولا بد أن أجد له حلا بما تعلمت»، فيبدأ بالمحاولة، ويجرب، وقد يخطئ، ثم يعود ويغير طريقته، وربما يستعين بما تعلمه سابقا حتى يصل إلى النتيجة. أما الآخر، فقد ينظر إلى التمرين قبل أن يبدأ ويقول: «هذا صعب، لن أستطيع حله»، فيتوقف قبل أن يمنح نفسه فرصة المحاولة.

في الرياضيات، المحاولة ليست مرحلة تسبق التعلم، بل هي جزء من التعلم نفسه. فقد لا يصل التلميذ إلى الحل من المحاولة الأولى، لكنه قد يكتشف أثناء بحثه عن الحل أين أخطأ، وما الذي ينقصه، وكيف يمكن أن يستعمل قاعدة أو مفهوما سبق أن تعلمه. ولذلك فإن التلميذ الذي يحتاج إلى وقت أطول لا ينبغي أن يشعر بأنه أقل من غيره، كما لا ينبغي للأسرة أن تعتبر بطء الوصول إلى الحل دليلا على العجز.

ومن المشاكل التي تعيق التمكن من الرياضيات أيضا اعتقاد التلميذ أن كثرة التمارين هي الطريق الوحيد إلى النجاح. فيبدأ في حل عدد كبير من التمارين، لكننا نجد أحيانا أن هذه التمارين ليست إلا تكرارا للمسألة نفسها، مع تغيير بسيط في الأعداد أو المعطيات. وهكذا يتعود التلميذ على طريقة محددة في الحل، لكنه عندما يواجه تمرينا جديدا، أو عندما تتغير صياغة السؤال، يجد نفسه عاجزا عن معرفة ما ينبغي فعله.

المطلوب ليس أن يحل التلميذ أكبر عدد ممكن من التمارين، وإنما أن يتعلم من كل تمرين. أن يفهم لماذا استعمل هذه القاعدة، ولماذا قام بهذه الخطوة، وما العلاقة بين المعطيات والنتيجة، وهل يستطيع استعمال الفكرة نفسها في وضعية مختلفة. تمرين واحد يفهمه جيدا قد يكون أنفع من عشرة تمارين يحلها بطريقة آلية.

وتظهر المشكلة كذلك عندما يتحول تعلم الرياضيات إلى حفظ للقواعد والرموز دون فهم المفاهيم التي تقف وراءها. قد يحفظ التلميذ قاعدة معينة، لكنه لا يعرف متى يستعملها، أو يستعملها في غير محلها. وقد يحفظ خطوات حل معادلة، لكنه لا يفهم ماذا تعني المعادلة أصلا.

والرموز نفسها قد تتحول إلى عائق عندما تنفصل عن معناها. فمثلا، قد يرسخ في ذهن التلميذ أن الحرف «x» يعني دائما «المجهول»، بينما معنى الرمز يتحدد بحسب السياق الرياضي الذي يوجد فيه. الرمز ليس هو المفهوم، وإنما هو وسيلة للتعبير عنه. وكلما استطاع التلميذ أن ينتقل من التعامل مع الرمز إلى فهم المعنى الذي يمثله، أصبح أكثر قدرة على التعامل مع الرياضيات باعتبارها تفكيرا وعلاقات، لا مجرد إشارات وقواعد للحفظ.

ومن هنا تأتي أهمية القدرة على التجريد والتعامل مع الفرضيات. فالرياضيات تطلب من التلميذ أن يتجاوز أحيانا ما هو ظاهر ومباشر، وأن يفكر في علاقة أو احتمال أو فرضية، وأن يبحث عما يمكن أن يترتب عنها. وهذه القدرة لا تظهر دائما دفعة واحدة، بل تنمو بالتدريج مع التمرين والفهم والممارسة.

أما الأسرة، فلها دور مهم، لكن دورها لا ينبغي أن يتحول إلى ضغط على التلميذ. من الطبيعي أن ترغب الأسرة في أن يكون ابنها متفوقا، ومن الطبيعي أن تهتم بنقطه ونتائجه، لكن كثرة المقارنة والخوف من الفشل قد تجعل التلميذ ينظر إلى الرياضيات باعتبارها امتحانا مستمرا لقدراته، بدل أن ينظر إليها باعتبارها مادة يمكن تعلمها بالتدرج.

بدل أن يكون السؤال دائما: «كم حصلت؟» يمكن أن يكون السؤال أحيانا: «ماذا فهمت اليوم؟ أين وجدت الصعوبة؟ وما الذي لم تستطع حله؟». فهذا النوع من الحوار يساعد التلميذ على اكتشاف مشكلته بدل الاكتفاء بالحكم على النتيجة.

كما أن اللجوء إلى الدروس الإضافية ليس حلا في كل الحالات. قد يحتاج بعض التلاميذ فعلا إلى دعم إضافي، لكن الدعم يكون أكثر فائدة عندما نعرف أولا أين توجد الصعوبة. فإذا كانت هناك حلقة ناقصة في المكتسبات السابقة، فإن زيادة عدد الساعات والتمارين دون معالجة تلك الحلقة قد لا تؤدي إلى النتيجة المنتظرة.

والقاعدة الأهم هي أن الرياضيات مترابطة. قد يظهر التعثر في درس جديد، بينما يكون السبب الحقيقي في مفهوم سابق لم يتم استيعابه بشكل جيد. لذلك ينبغي ألا يخجل التلميذ من العودة إلى الأساسيات. الرجوع إلى ما لم نفهمه ليس تراجعا، بل هو الطريق الطبيعي للتقدم.

وفي النهاية، ربما نحتاج إلى تغيير السؤال الذي نطرحه على أبنائنا. لا ينبغي أن نسأل فقط: هل أنت قوِيّ في الرياضيات أم ضعيف فيها؟ فهذه الثنائية قد تكون مضللة. السؤال الأهم هو: هل أنت مستعد للمحاولة؟ هل تستطيع أن تبحث عن الحل؟ هل تفهم أخطاءك؟ وهل تتحسن مع الوقت؟

فالرياضيات ليست مادة للتلاميذ الخارقين، وليست ملكا لفئة محددة. هناك تلاميذ أسرع في الفهم والحل، وهناك من يحتاجون إلى وقت أطول. هناك من يجدون طريق الحل بسرعة، وهناك من يحتاجون إلى عدة محاولات. وهذا أمر طبيعي في التعلم.

المهم ألا يحكم التلميذ على نفسه قبل أن يبدأ. أن يدخل إلى التمرين باعتباره مسألة قابلة للحل، وأن يستعمل ما تعلمه، ويجرب، ويخطئ، ويصحح، ويعيد المحاولة. فمع كل محاولة تتكون مهارة، ومع كل خطأ يمكن أن يتولد فهم جديد.

ولعل أفضل ما يمكن أن نقوله للتلميذ مع بداية هذا الدخول المدرسي هو: لا تدخل إلى حصة الرياضيات وأنت مقتنع بأنك ضعيف فيها. ادخل إليها باعتبارها مجالا يحتاج إلى العمل، وإلى الصبر، وإلى التفكير. قد تصل إلى الحل في عشر دقائق، وقد تحتاج إلى ساعة، وربما لن تصل إليه من المحاولة الأولى. لا يهم. المهم أن تدخل في المعمعة، لأن القدرة على حل المسائل لا تأتي قبل المحاولة، وإنما تتكون من خلالها.