أكدت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها أن تعزيز فعالية مكافحة الفساد يقتضي تعدد آليات الكشف والتبليغ والمساءلة، وإشراك المجتمع المدني إلى جانب المؤسسات.
واعتبرت أن إخضاع الجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة لترخيص مسبق من السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، قبل الانتصاب طرفا مدنيا في بعض القضايا، قد يحد من دورها في كشف الاختلالات المرتبطة بالمال العام ونزاهة التدبير.
وأوضحت الهيئة، في تقريرها السنوي برسم سنة 2025، أن تمكين المجتمع المدني من ممارسة حقه في الانتصاب طرفا مدنيا، وفق الضوابط القانونية، من شأنه دعم منظومة الكشف والمساءلة، انسجاما مع التوجهات الدولية التي تعتبر المشاركة المجتمعية ركيزة أساسية في الوقاية من الفساد ومحاربته.
وفي ما يتعلق بالمتابعة القضائية، شدد التقرير على ضرورة الحفاظ على قدرة النيابة العامة على المبادرة بالبحث والمتابعة، مسجلا أن ربط تحريك الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية في جرائم المال العام بطلب يصدر عن الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، استنادا إلى إحالات أو تقارير محددة مسبقا، قد يطرح إشكالات بشأن فعالية إنفاذ القانون، خاصة عندما تصدر هذه الإحالات عن أجهزة إدارية تابعة لقطاعات حكومية معنية بالوقائع موضوع البحث.
وأشار التقرير إلى أن هذا المسار قد يقيد المبادرة الأصلية للنيابة العامة، ويجعل تحريك المتابعات رهينا بتقديرات إدارية أو تقنية أو رقابية، قد تتأثر باعتبارات سياسية ولا تستحضر بالضرورة الطابع الجنائي للأفعال. وشدد على أن توسيع مفهوم المبلّغين عن الفساد وتعزيز حمايتهم ينبغي أن يواكبهما تمكين فعلي من آليات البحث والمتابعة.
كما أبرزت الهيئة أن فعالية العقوبات المرتبطة بالفساد لا تكتمل دون تتبع الأموال غير المشروعة وحجزها والمحافظة على قيمتها ومصادرتها واستردادها وفق القانون، مع توجيه الأموال المسترجعة لخدمة المجتمع، بما في ذلك المساهمة في المشاريع التنموية. وسجلت في هذا السياق وجود تفاوت بين تطور الإطار القانوني المتعلق بالحجز والمصادرة والإمكانات المؤسساتية المخصصة لتدبير الأصول المحجوزة والمصادرة، وهو ما قد يحد من تحويل الأحكام والإجراءات القضائية إلى عمليات استرداد فعلية تحافظ على قيمة تلك الأصول.
ودعا التقرير إلى إحداث مؤسسة عمومية متخصصة في تدبير واسترداد الموجودات المحجوزة أو المصادرة، بما يتيح توفير خبرة مؤسساتية قادرة على إدارة هذه الأصول وصون قيمتها طوال المسار القضائي، مع مراعاة طبيعتها ووضعيتها القانونية والحقوق المرتبطة بها.
وخلصت الهيئة إلى أن ترسيخ النزاهة يقتضي التصدي لتحول الفساد إلى ممارسة مألوفة، والعمل على جعل النزاهة ثقافة مشتركة وسلوكا يوميا في المجتمع، ينتظر المواطنون تجسيده في أداء المؤسسات، ويدافعون عنه باعتباره حقا ومسؤولية مشتركة.

