فاطمة الزهراء ايت ناصر
أمام التحديات التي تواجه القطاع السياحي بالمغرب، وفي مقدمتها تباطؤ وتيرة نمو الوافدين، والتفاوت في توزيع النشاط السياحي بين الجهات، ومحدودية انعكاس بعض الاستثمارات على التشغيل والتنمية المحلية، تبرز الحاجة إلى مراجعة أولويات السياسة السياحية خلال المرحلة المقبلة، بما يضمن الانتقال من التركيز على الأرقام الإجمالية إلى قياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي الفعلي للقطاع.
وفي هذا السياق، يضع الخبير في السياحة الزوبير بوحوت مجموعة من المقترحات أمام الوزير الجديد جلال شرف، المعين على رأس وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، داعيا إلى تقييم حصيلة خارطة الطريق السياحية للفترة 2023-2026، قبل صياغة التوجهات الجديدة للفترة الممتدة بين 2027 و2030.
ويرى بوحوت أن الحفاظ على مكتسبات القطاع وتعزيز تنافسيته يقتضيان تسريع وتيرة الربط الجوي، وتطوير العرض السياحي، وتحسين حكامة البرامج الاستثمارية، مع إيلاء أهمية أكبر لجودة فرص الشغل والعدالة المجالية.
وفي هذا الحوار، يتوقف بوحوت عند مؤشرات النمو السياحي، والتحديات المرتبطة ببلوغ أهداف 2030، كما يقدم قراءة في البرامج الحكومية ومدى الحاجة إلى تقييم نتائجها الفعلية.
إليكم نص الحوار :
سؤال: ما الأولويات التي ترون أنها ينبغي أن توجه عمل وزير السياحة الجديد جلال شرف خلال المرحلة المقبلة؟
أعتقد أن الرهان الأساسي يتمثل في تجاوز مقاربة تركز أساسا على المؤشرات الكمية، والانتقال إلى نموذج سياحي يقوم على خلق القيمة وتحقيق توزيع أكثر إنصافا للعائدات بين مختلف المجالات الترابية.
صحيح أن المغرب حقق نتائج مهمة على مستوى عدد الوافدين وليالي المبيت والمداخيل، لكن هذه المؤشرات لا تكفي وحدها للحكم على الأداء العام للقطاع.
نحتاج إلى الحد من التركز الجغرافي للنشاط السياحي وموسميته، وتعزيز السياحة الداخلية، مع مراعاة القدرة الشرائية للمواطنين وإمكانية ولوجهم إلى الخدمات السياحية، كما ينبغي تطوير الربط الجوي، وتنويع العرض السياحي، وتحسين جودة التشغيل واستقراره، وتعزيز نجاعة الاستثمارات وآليات الدعم العمومي.
وأعتقد أن التجربة المهنية للوزير الجديد في القطاع الخاص، وداخل الاتحاد العام لمقاولات المغرب ومكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل وجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، يمكن أن تشكل رصيداً مهماً لتطوير الحكامة وتحسين التنسيق بين القطاعين العام والخاص. غير أن التحدي الحقيقي هو ترجمة هذه الخبرة إلى إصلاحات عملية ونتائج قابلة للقياس.
سؤال: استقبل المغرب نحو 19.8 مليون سائح سنة 2025، لكن وتيرة النمو تباطأت خلال سنة 2026. كيف تقرؤون هذه المؤشرات؟
تؤكد النتائج المسجلة أن المغرب قطع أشواطا مهمة في تطوير قطاعه السياحي، إذ استقبل نحو 19.8 مليون سائح سنة 2025، بارتفاع بلغ 14 في المائة مقارنة بسنة 2024، لكن المؤشرات المتاحة إلى نهاية شتنبر 2026 تظهر تباطؤا واضحا، بعدما لم تتجاوز الزيادة التراكمية في عدد الوافدين 5 في المائة.
وإذا استمر هذا المنحى، فقد يصل عدد السياح إلى نحو 20.8 مليونا خلال السنة الجارية.
وهذا يعني أن النمو مستمر، لكنه يسجل تباطؤا مقارنة بالسنتين السابقتين، وهو ما يستدعي تحليل العوامل المؤثرة فيه، وفي مقدمتها تطور الربط الجوي.
فزيادة عدد المقاعد الجوية، وفتح خطوط جديدة، وتعزيز قدرات الخطوط القائمة، وتنويع الأسواق المصدرة للسياح، كلها عوامل أساسية لاستدامة النمو.
لذلك، فإن أي تباطؤ في التعاقد مع شركات الطيران أو في تطوير القدرات الجوية قد يؤثر في قدرة المغرب على مواصلة الدينامية التي عرفها القطاع خلال السنوات الأخيرة.
سؤال: هل أصبح هدف استقبال 26 مليون سائح سنة 2030 مهددا بفعل هذا التباطؤ؟
لا أعتقد أن الهدف أصبح بعيد المنال، لكنه يتطلب بذل جهود أكبر لاستعادة وتيرة النمو؛ فإذا اعتمدنا معدل نمو سنوي متوسطا في حدود 5 في المائة، فقد يستقبل المغرب نحو 25.3 مليون سائح سنة 2030، مقابل الهدف المحدد في 26 مليونا، أي بفارق يناهز 700 ألف سائح، من دون احتساب الأثر الاستثنائي المحتمل لكأس العالم.
ولبلوغ هذا الهدف اعتمادا على النمو السياحي الاعتيادي، ينبغي أن يقترب معدل النمو السنوي من 5.75 في المائة خلال الفترة المعنية. وهذا يستدعي تسريع تطوير الربط الجوي، وتعزيز الأسواق التقليدية، وتنويع الأسواق الجديدة، وتحسين الربط بين مختلف الوجهات المغربية.
ولا ينبغي أن نربط تحقيق أهداف 2030 بالأثر المحتمل لكأس العالم وحده، بل يجب بناء نمو مستدام يستند إلى قدرات جوية كافية، واستثمارات ناجعة، وعرض سياحي متنوع، وتوزيع أفضل للتدفقات السياحية بين الجهات.
سؤال: تحدثتم عن ضرورة تقييم خارطة الطريق السياحية 2023-2026 قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة. ما الذي ينبغي أن يشمله هذا التقييم؟
من الضروري إجراء تقييم معمق لخارطة الطريق، لا بالاعتماد على عدد الوافدين أو المداخيل الإجمالية فقط، وإنما من خلال قياس مدى تنفيذ الالتزامات المعلنة، وحجم التمويلات التي صُرفت فعلياً، والنتائج الاقتصادية والترابية التي حققتها البرامج المختلفة.
ينبغي أن نميز بين الأهداف التي تحققت، والمشاريع التي دخلت حيز التنفيذ، والتمويلات التي تمت الموافقة عليها، والعمليات التي اكتمل إنجازها بالفعل.
فالموافقة على مشروع أو تخصيص ميزانية له لا يعني بالضرورة أنه أصبح جاهزاً للاستغلال أو أنه حقق الأثر الاقتصادي والاجتماعي المنتظر.
كما يتعين تقييم قدرة البرامج على تحسين جودة العرض الفندقي، وتحفيز الاستثمار الخاص، وإحداث فرص شغل مستدامة، وتطوير الأنشطة السياحية خارج الوجهات التقليدية.
ومن شأن هذه العملية أن تحدد ما ينبغي مواصلة دعمه، وما يحتاج إلى تعديل، وما يتطلب تسريع التنفيذ.
سؤال: كيف تقيمون النتائج المحققة في مجال الربط الجوي، الذي يعد أحد المحركات الرئيسية للسياحة؟
يمثل الربط الجوي أحد أهم محاور خارطة الطريق السياحية، وقد شهدت السنوات الأخيرة إطلاق خطوط جديدة وتعبئة قدرات جوية إضافية.
وتشير المعطيات التي قدمتها الجهات المعنية إلى إحداث 80 خطا جويا جديدا خلال سنة 2025، وتعبئة أكثر من 12 مليون مقعد جوي، إلى جانب التعاقد بشأن 14.5 مليون مقعد لسنة 2026.
لكن الأهم ليس عدد الخطوط أو المقاعد المعلن عنها فحسب، بل معرفة ما تم تشغيله فعليا، ومعدلات ملء الطائرات، والأسواق التي أسهمت في استقطاب سياح إضافيين، والوجهات المغربية التي استفادت من هذه الخطوط.
نحتاج إلى حصيلة مفصلة حسب المطارات والوجهات، توضح عدد المقاعد المتعاقد بشأنها وتلك المستغلة فعلياً، وتطور أعداد الوافدين وليالي المبيت الناتجة عن هذه الخطوط. كما ينبغي إعطاء أهمية خاصة للمناطق التي تتوفر على مؤهلات سياحية لكنها لا تزال تعاني ضعف الربط أو ارتفاع تكلفته.
فالنجاح الحقيقي للسياسة الجوية يتمثل في قدرتها على توليد تدفقات سياحية إضافية ومنتظمة، وليس فقط في توقيع اتفاقيات جديدة.
سؤال: وماذا عن برنامجي «كاب هوسبيتاليتي» و«غو سياحة»؟ هل يمكن اعتبار النتائج المعلنة مؤشرا كافيا على نجاحهما؟
هذان البرنامجان مهمان، لكن تقييمهما ينبغي أن يستند إلى النتائج الفعلية وليس إلى عدد الملفات التي تمت الموافقة عليها أو المشاريع التي جرى الإعلان عنها.
بالنسبة إلى برنامج «كاب هوسبيتاليتي»، الذي يستهدف تحديث المؤسسات الفندقية وتجديد 25 ألف غرفة، فإن الأرقام المتعلقة بالطلبات المؤهلة والتمويلات المرتبطة بها لا تعني بالضرورة أن الغرف المعنية قد تم تجديدها بالفعل. لذلك، ينبغي التمييز بين الملفات المودعة، والتمويلات الموافق عليها، والقروض المصروفة، والأشغال المنجزة، والغرف التي أعيد تأهيلها ودخلت حيز الاستغلال.
أما برنامج «غو سياحة»، الذي يهدف إلى دعم المقاولات وتنويع أنشطة التنشيط السياحي، فينبغي تقييمه من خلال عدد المشاريع التي حصلت على التمويل، ودخلت مرحلة الإنجاز، ثم بدأت نشاطها فعليا، فضلا عن حجم الاستثمارات الخاصة التي تمت تعبئتها وفرص الشغل التي أحدثتها.
كما يجب معرفة كيفية توزيع هذه المشاريع بين الجهات، وما إذا كانت تسهم في ظهور وجهات جديدة وإغناء العرض السياحي بالمناطق الأقل استقطابا للزوار، فنجاح هذه البرامج لا يقاس فقط بعدد المستفيدين، بل أيضا بالأثر الاقتصادي الذي تحدثه على أرض الواقع.
سؤال: أشرتم أيضا إلى المشاريع السياحية المهيكلة. ما أهمية تقييم وضعيتها الحالية؟
تشكل المشاريع السياحية المهيكلة إحدى الرافعات التي كان يفترض أن تسهم في تنويع التجارب المقدمة للزوار، وإطالة مدة الإقامة، والحد من الموسمية، وتعزيز جاذبية عدد من المجالات الترابية.
غير أن الإعلان عن مشروع أو تحديد ميزانية تقديرية له لا يعني أنه أصبح جاهزا للتنفيذ، فبعض المشاريع قد يظل في مرحلة البحث عن مستثمرين، أو استكمال الدراسات، أو تعبئة التمويل، بينما تتطلب مشاريع أخرى معالجة إكراهات عقارية أو إدارية.
لهذا، ينبغي نشر حصيلة واضحة للمشاريع الأربعة عشر التي أُدرجت ضمن هذا التوجه، مع تحديد وضعية كل مشروع، وكلفته المحينة، ومصادر تمويله، والآجال الجديدة لإنجازه، ومدى تقدمه نحو التشغيل الفعلي.
هذه المشاريع ليست مجرد استثمارات عقارية، بل يفترض أن تخلق أنشطة اقتصادية جديدة، وتوفر فرص شغل، وتساعد على استقطاب السياح خارج مواسم الذروة، وأي تأخر في إنجازها قد يؤثر في قدرة السياسة السياحية على تحويل الأهداف المعلنة إلى خدمات وتجارب ملموسة.
سؤال: إلى أي حد ينبغي أن تحظى العدالة المجالية بأهمية أكبر في السياسة السياحية المقبلة؟
أرى أن تحقيق تنمية سياحية متوازنة بين الجهات يجب أن يكون من الأولويات الأساسية للمرحلة المقبلة، فالسياحة لا ينبغي أن تظل متركزة في عدد محدود من الوجهات، في الوقت الذي تتوفر فيه مناطق أخرى على مؤهلات طبيعية وثقافية وتاريخية يمكن تثمينها.
ويتطلب ذلك تطوير الربط الجوي والبنية التحتية، وتشجيع الاستثمار في المجالات التي لا تزال تعاني ضعف العرض، ودعم المقاولات المحلية، وتنويع الأنشطة السياحية بما يتناسب مع خصوصية كل منطقة.
كما ينبغي تقييم برامج الدعم وفق توزيعها الجغرافي، من خلال نشر معطيات توضح عدد المشاريع والمبالغ المصروفة والاستثمارات الخاصة التي تمت تعبئتها في كل جهة، فوجود برنامج مفتوح أمام جميع الجهات لا يضمن تلقائياً توزيعاً متوازناً للاستثمارات.
والهدف هو جعل السياحة رافعة للتنمية المحلية، تتيح للمقاولات الصغيرة والمتوسطة الاستفادة من النشاط، وتخلق فرص شغل في مناطق متعددة، وتساهم في تثمين الموارد المحلية.
سؤال: تحدثت خارطة الطريق عن إحداث 200 ألف فرصة شغل إضافية. كيف ينبغي قياس الأثر الاجتماعي للسياحة؟
يجب ألا يقتصر تقييم التشغيل السياحي على عدد المناصب المعلن عن إحداثها، بل ينبغي أن يشمل طبيعتها وجودتها واستقرارها، فمن الضروري التمييز بين فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة، والمناصب الدائمة والموسمية، مع تحديد مستويات الأجور والتأهيل والتوزيع الجغرافي.
ويظل الرأسمال البشري عنصراً أساسياً في تنافسية الوجهات السياحية، لذلك، ينبغي تطوير التكوين بما يتلاءم مع حاجيات المقاولات، خصوصاً في مجالات الإيواء والمطاعم والتنشيط والتدبير والرقمنة والاستقبال.
كما يتعين تتبع عدد المستفيدين من برامج التكوين، ومدى حصولهم على فرص شغل فعلية، وقياس أثر ذلك على جودة الخدمات المقدمة للسياح.
فالسياحة القوية ليست فقط التي تستقطب أعداداً كبيرة من الزوار، بل التي توفر أيضاً وظائف جيدة ومستقرة وتمنح العاملين فيها فرصاً للتطور المهني.
سؤال: ما الذي تقترحونه لضمان شفافية أكبر في تدبير القطاع وتقييم السياسات السياحية؟
الزوبير بوحوت: أعتقد أن تعزيز الشفافية يمر عبر إرساء لوحة قيادة عمومية تجمع مختلف المؤشرات المتعلقة بتنفيذ خارطة الطريق، بما في ذلك الأهداف الأولية، والتمويلات المبرمجة، والمبالغ المصروفة، والمشاريع المنجزة، والنتائج الاقتصادية والاجتماعية المحققة.
ينبغي أن تكون هذه المعطيات متاحة للعموم ومحيّنة بصفة منتظمة، حتى يتسنى للمهنيين والباحثين والفاعلين الاقتصاديين تقييم الأداء بصورة موضوعية. كما يجب أن تتيح مقارنة النتائج بين الجهات والبرامج، وتحديد الفوارق بين ما تمت برمجته وما تحقق فعلياً.
إن عدم توفر حصيلة موحدة ومفصلة لا يعني بالضرورة أن البرامج لم تُنفذ، لكنه يجعل من الصعب قياس نجاعتها وتحديد أثرها الحقيقي. ولهذا، فإن تطوير المعرفة الإحصائية بالقطاع وتحسين آليات التتبع والتقييم ينبغي أن يشكلا جزءاً أساسياً من السياسة السياحية المقبلة.
سؤال: في الختام، ما الرسالة الأساسية التي ينبغي أن توجه إعداد خارطة الطريق السياحية للفترة 2027-2030؟
الزوبير بوحوت: أعتقد أن المغرب يتوفر على مكتسبات مهمة في مجال الجاذبية السياحية والترويج الدولي وتطوير الربط الجوي، لكن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من منطق تحقيق الأرقام الإجمالية إلى منطق قياس النتائج الفعلية.
نحتاج إلى تقييم موضوعي لخارطة الطريق 2023-2026، وتحديد ما تحقق وما لا يزال قيد التنفيذ، ثم بناء التوجهات الجديدة على أساس معطيات دقيقة وأهداف قابلة للقياس. كما ينبغي تعزيز الاستثمار في الربط الجوي، وتحديث العرض الفندقي، وتنويع الأنشطة السياحية، وتحسين جودة التشغيل، وضمان استفادة أكبر للمجالات الترابية والمقاولات المحلية.
فالنجاح السياحي لا يقاس فقط بعدد الزوار الذين يدخلون إلى المغرب، بل أيضاً بمدة إقامتهم، ومستوى إنفاقهم، وفرص الشغل التي يتيحها القطاع، والعائدات التي تصل إلى الاقتصاد المحلي. والرهان الحقيقي هو أن تتحول السياحة إلى محرك أكثر قوة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأن تستفيد من ثمارها مختلف الجهات والفئات، في أفق 2030 وما بعده.

