أبو علي بلمزيان يكتب: العلم بين انفتاح النص القرآني وانغلاق المؤسسة الدينية: تفكيك هيمنة الخطاب التقليدي

أبوعلي بلمزيان

إن المعرفة ليست مجرد تراكم للمعلومات، بل هي نتاج صراع بين الرؤى المختلفة حول تفسير العالم. وعندما ننظر إلى العلاقة بين النصوص الدينية والعلم، فإننا نجد أنفسنا أمام صراع بين بنية معرفية مرنة، قادرة على استيعاب التطور، وبين تأويلات سلطوية تعيد إنتاج الجهل لتثبيت الهيمنة. النص القرآني، بتركيبته الرمزية المفتوحة، يترك مجالًا للتأمل العلمي، ولا يقدم تصورات جامدة عن الكون، بل يدعو الإنسان إلى البحث، كما في قوله: “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق” (العنكبوت: 20)، وقوله: “أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء” (الأعراف: 185). هذه النزعة الاستكشافية تجعل من النص القرآني إطارًا عامًا قابلًا للحوار مع العلم، بدلًا من أن يكون حاجزًا أمامه. لكن الأحاديث التي تم تدوينها لاحقًا، في ظل أنظمة سياسية وظفت الدين لإحكام سيطرتها، جاءت محملة بتصورات بدائية تعكس محدودية المعرفة البشرية في تلك الفترات، وليس النص المقدس ذاته.

حينما نجد حديثًا مثل “إن الشمس تجري حتى تستقر تحت العرش، ثم تؤمر فتعود من حيث جاءت” (رواه البخاري)، فإننا أمام طرح يتعارض مع الحقيقة العلمية التي تثبت أن الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس. هذا الطرح لم يكن مجرد تعبير عن قصور معرفي في زمن معين، بل تحول عبر التاريخ إلى أداة لمقاومة العلم، حيث استخدمه الفقهاء لقمع أي محاولة لفهم الكون خارج المنظور الذي فرضته المؤسسة الدينية. في المقابل، نجد أن القرآن لم يقدّم تصورًا مشابهًا، بل استخدم لغة توصيفية تحتمل تعدد التأويلات، مثل قوله: “وكل في فلك يسبحون” (الأنبياء: 33)، وهي عبارة لا تفرض نموذجًا هندسيًا معينًا لحركة الأجرام السماوية، بل تترك المجال مفتوحًا أمام الاكتشافات العلمية. هذا التناقض لا يمكن عزله عن السياق التاريخي الذي نشأت فيه هذه الأحاديث، حيث لم يكن الهدف منها تقديم معرفة موضوعية، بل ترسيخ خطاب يعيد إنتاج القهر الفكري عبر إيهام الجماهير بأن الحقيقة محصورة فيما نقله “السلف”، وأن كل محاولة للتفكير خارج هذا الإطار هي خروج عن العقيدة نفسها.

إن المادية التاريخية تفرض علينا تحليل هذه الظاهرة من زاوية البنية الاجتماعية التي أنتجت هذه الخطابات. فعندما أصبح الإسلام دولة، وليس مجرد دعوة، كانت هناك حاجة إلى بناء منظومة معرفية مغلقة، تتناسب مع متطلبات السلطة. لم يكن مسموحًا بأن يكون العقل أداة لتحرير الإنسان، بل كان لا بد من تحجيمه، تمامًا كما يجري تحجيم الطبقات المضطهدة في المجتمع. ومن هنا، فإن الأحاديث التي تتعارض مع العلم ليست مجرد أخطاء عابرة، بل تعبير عن صراع اجتماعي بين قوى المحافظة التي تريد تجميد المعرفة، وقوى التغيير التي تسعى إلى كسر هذه القيود.

التاريخ يعطينا أمثلة واضحة عن كيف تم توظيف هذه الأحاديث لمحاربة العلم. فعندما طرح العلماء المسلمون في العصور الوسطى نظريات تتناقض مع التصورات الفقهية، تعرضوا للقمع، كما حدث مع ابن الهيثم الذي أُجبر على التراجع عن بعض أطروحاته، وكما حدث لاحقًا في أوروبا مع غاليليو الذي واجه الكنيسة بسبب آرائه حول مركزية الشمس. في كل هذه الحالات، لم يكن الصراع بين الدين والعلم بالمعنى المطلق، بل بين تأويل سلطوي مغلق للنصوص وبين المعرفة التي تسعى إلى التحرر من الوصاية.

إن الأحاديث التي تتناقض مع الحقائق العلمية ليست سوى امتداد لإيديولوجيا تريد أن تبقي الجماهير في حالة من الاستلاب، حيث تصبح المعرفة حكرًا على فئة محددة تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة. هذا النهج هو ذاته الذي يحكم كل أنظمة القمع، سواء الدينية أو السياسية، إذ أن المعرفة الحرة تشكل دائمًا تهديدًا لأي بنية قائمة على الامتيازات. ولهذا، فإن المواجهة مع هذا الخطاب لا تكون فقط بتفنيد هذه الأحاديث علميًا، بل بتفكيك الأساس الأيديولوجي الذي جعل منها نصوصًا مقدسة لا يجوز مناقشتها، وتحليل البنية الاجتماعية التي أنتجت هذا التناقض بين النص القرآني القابل للحوار والانفتاح، وبين الأحاديث التي جاءت لاحقًا لتسد أي أفق للتطور الفكري.

إن استعادة العلاقة الطبيعية بين الدين والعلم لن تتم إلا عبر تحرر العقل من سطوة التقليد، وإعادة الاعتبار للبحث العلمي باعتباره أداة لفهم الكون، لا كخطر يجب قمعه. وهذا لن يتحقق إلا بكسر الاحتكار المعرفي الذي تمارسه المؤسسة الدينية، تمامًا كما أن التحرر السياسي لا يمكن أن يتحقق إلا بكسر احتكار السلطة من قبل الطبقات الحاكمة. فالقضية في جوهرها ليست مجرد مسألة “أحاديث ضعيفة” أو “تفسيرات خاطئة”، بل هي جزء من صراع أوسع بين قوى التغيير التي تسعى إلى تحرير الإنسان من كل أشكال الاستلاب، وقوى الرجعية التي تريد إبقاءه رهينة لنظام معرفي مغلق، يخدم فقط من يملك السلطة والثروة.
•⁠ ⁠الحسيمة في 9 مارس 2025.
•⁠ ⁠أبوعلي بلمزيان.