قاضي قدور.. 31 سنة على رحيل مثقف أمازيغي جعل من العلم والثقافة فعلا نضاليا

محيي الدين العيادي

بمناسبة الذكرى 31 لرحيل الدكتور قاضي قدور، يمكن تقديمه لا باعتباره مجرد ذكرى لشخصية أمازيغية رحلت مبكرا، بل باعتباره واحدا من المثقفين الذين حاولوا في وقت مبكر الجمع بين البحث الأكاديمي، والاشتغال على اللغة الأمازيغية، والفعل الثقافي والنضالي. فقد توفي في 15 شتنبر 1995، بعد مسار لم يتجاوز 43 سنة، لكنه ترك أثراً واضحاً في مسار الحركة الأمازيغية والبحث اللساني.

 في الذكرى الـ31 لرحيله.. حين كان الدفاع عن الأمازيغية اختيارا ثقافيا ونضاليا

في مثل هذا اليوم، الخامس عشر من شتنبر، تحل الذكرى الحادية والثلاثون لرحيل الدكتور قاضي قدور، أحد الأسماء البارزة في الجيل الأول من الحركة الثقافية الأمازيغية بالمغرب، وأحد أبناء الريف الذين جعلوا من المعرفة والبحث العلمي مدخلاً للدفاع عن اللغة والثقافة والهوية الأمازيغية.

رحل قاضي قدور سنة 1995 في حادثة سير بنواحي مكناس، وهو في ريعان عطائه العلمي والنضالي، بعدما راكم خلال سنوات قليلة مساراً أكاديمياً وثقافياً متميزاً، جعل اسمه حاضراً في تاريخ البحث اللساني الأمازيغي وفي ذاكرة الحركة الأمازيغية بالريف.

من آيت سيدال إلى رحاب الجامعة

ولد قاضي قدور سنة 1952 بمنطقة آيت سيدال بالريف، وتلقى تعليمه الأولي بمسقط رأسه، قبل أن ينتقل إلى تطوان لمتابعة دراسته الثانوية، ثم إلى الرباط حيث التحق بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس.

حصل على الإجازة في اللغة والأدب الفرنسي، ثم واصل تكوينه في اللسانيات، قبل أن يلتحق بالتدريس الجامعي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز بفاس. ولم يكن المسار الأكاديمي بالنسبة إليه مجرد وسيلة للترقي العلمي، بل كان فضاءً لبناء معرفة علمية باللغة والثقافة الأمازيغيتين.

وفي سنة 1979، استفاد من منحة مكنته من مواصلة تكوينه في فرنسا بجامعة السوربون، حيث تخصص في اللسانيات الأمازيغية، وأنجز أطروحته للدكتوراه تحت إشراف الباحث اللساني المعروف ليونيل كالان. كما ناقش لاحقاً أطروحة دكتوراه الدولة في التخصص نفسه سنة 1990.

اللسانيات الأمازيغية.. العلم في مواجهة التهميش

تكمن إحدى أهم إسهامات قاضي قدور في أنه اختار الاشتغال على الأمازيغية من داخل الجامعة والبحث العلمي، في مرحلة كانت فيها الدراسات الأمازيغية محدودة الحضور داخل المؤسسات الأكاديمية المغربية.

اشتغل على قضايا اللسانيات الأمازيغية، وخاصة تاريفيت، واهتم بالبنية اللغوية والصرفية والفعلية، ومن بين أعماله وأبحاثه دراسات حول الاشتقاق الفعلي، والتعدية، والمبني للمجهول، وقضايا أخرى مرتبطة ببنية اللغة الأمازيغية. وتُعد أعماله من المساهمات المبكرة في تطوير البحث اللساني المتخصص في الأمازيغية.

ومن خلال هذا الاختيار، كان قاضي قدور يؤكد عملياً أن الأمازيغية ليست مجرد تراث شفهي أو فولكلور، وإنما لغة قابلة للبحث العلمي والدراسة الأكاديمية والتطوير.

وهنا تكمن أهمية مشروعه: فقد حاول أن يجعل من الجامعة فضاءً لإنتاج المعرفة حول الأمازيغية، بدل أن تظل هذه اللغة خارج دوائر البحث العلمي والمؤسسات الأكاديمية.

من الجامعة إلى الفعل الثقافي والنضالي

لم يفصل قاضي قدور بين الأستاذ الجامعي والمناضل الثقافي.

فمنذ سبعينيات القرن الماضي انخرط في النشاط الجمعوي الأمازيغي، سواء خلال وجوده بفرنسا أو بعد عودته إلى المغرب. وفي سنة 1978 ساهم في تأسيس جمعية الانطلاقة الثقافية بالناظور، التي تعد من التجارب الجمعوية المبكرة في منطقة الريف، والتي جعلت من الثقافة الأمازيغية والبحث في التراث واللغة والهوية إحدى أولوياتها.

كما أسس بكلية الآداب بفاس مجموعة البحث والدراسات اللغوية، وتولى الإشراف على تنشيطها منذ سنة 1981 إلى غاية وفاته. وكان هذا العمل يعكس قناعته بأن النهوض بالأمازيغية يحتاج إلى مؤسسات ومراكز بحث وإنتاج معرفي، وليس فقط إلى الخطاب الاحتجاجي.

قاضي قدور.. مثقف تجاوز حدود جيله

تكمن قيمة تجربة قاضي قدور في الجمع بين ثلاثة مستويات متكاملة:

العلم، والثقافة، والنضال.

فهو لم يكتف بالدفاع عن الأمازيغية كشعار هوياتي، بل سعى إلى دراسة بنيتها اللسانية دراسة علمية. ولم يحصر اهتمامه في الجامعة، بل انخرط في العمل الثقافي والجمعوي. كما لم ينظر إلى الثقافة باعتبارها مجالاً منفصلاً عن قضايا المجتمع، وإنما اعتبر الدفاع عن اللغة والثقافة جزءاً من معركة أوسع من أجل الاعتراف بالتعدد الثقافي واللغوي وبمكونات الهوية المغربية.

ولهذا ظل اسمه حاضراً في ذاكرة الحركة الأمازيغية، باعتباره واحداً من رواد مرحلة كان فيها مجرد الاشتغال العلني على الأمازيغية يحتاج إلى قدر كبير من الجرأة والاستعداد لتحمل مسؤولية الاختيار الثقافي.

رحيل مبكر وأسئلة لم تنتهِ

في 15 شتنبر 1995، انتهت حياة قاضي قدور إثر حادثة سير مروعة، وهي وفاة أحاطت بها، وفق مصادر تناولت سيرته، تساؤلات كثيرة بسبب ظروف الحادث. وكان رحيله في سن الثالثة والأربعين خسارة للبحث الأكاديمي والحركة الثقافية الأمازيغية، خصوصاً أنه كان لا يزال في مرحلة العطاء والإنتاج.

لكن رحيل الأشخاص لا يعني بالضرورة نهاية المشاريع.

فالأفكار التي دافع عنها قاضي قدور واصل آخرون حملها، والبحث الذي بدأه في اللسانيات الأمازيغية أصبح جزءاً من مسار أكاديمي أخذ يتوسع تدريجياً. كما أن مؤسسات ثقافية وأكاديمية أمازيغية واصلت استحضار إسهاماته العلمية؛ وقد خُصصت أعمال وندوات لتقديم إنتاجه اللساني ودراسة إسهامه في البحث الأمازيغي.

بعد 31 سنة.. ماذا بقي من مشروع قاضي قدور؟

بعد واحد وثلاثين عاماً من رحيله، لا ينبغي أن تتحول ذكرى قاضي قدور إلى مجرد مناسبة لإعادة نشر صوره وسيرته.

السؤال الحقيقي هو: ماذا فعلنا بالمشروع الذي حمله؟

لقد كان قاضي قدور ينتمي إلى جيل آمن بأن الدفاع عن الأمازيغية يحتاج إلى العلم والمعرفة والتنظيم والعمل الثقافي الجاد. واليوم، وبعد الاعتراف الدستوري بالأمازيغية وترسيمها، أصبحت المسؤولية أكبر: الانتقال من مرحلة المطالبة بالاعتراف إلى مرحلة إنتاج المعرفة، وتطوير اللغة، وتوسيع استعمالها في التعليم والإعلام والثقافة والإدارة ومختلف مجالات الحياة العامة.

ومن هنا، فإن أفضل تكريم لقاضي قدور ليس البكاء على رحيله، وإنما مواصلة ما بدأه: البحث العلمي، والكتابة، والإنتاج الثقافي، والدفاع الديمقراطي عن التعدد اللغوي والثقافي، وبناء مؤسسات الحركة الثقافية على أسس أكثر قوة واستقلالية.

لقد رحل قاضي قدور مبكراً، لكن السؤال الذي حمله مشروعه ما زال حاضراً:

كيف نجعل من الأمازيغية لغة للمعرفة والإنتاج، لا مجرد موضوع للخطاب والاحتفال؟

في الذكرى الحادية والثلاثين لرحيله، تستعيد الحركة الأمازيغية أحد روادها الأوائل، لا لتستحضر الماضي فقط، وإنما لتقيس حاضرها أيضاً على ما كان يحلم به جيل كامل من المثقفين والمناضلين.

رحم الله الدكتور قاضي قدور، وجعل علمه وعطاءه الثقافي والنضالي جزءاً من الذاكرة الحية للحركة الأمازيغية المغربية.