محمد بوضيشط
يعتبر سلك الماستر حلقة الوصل الأساسية بين التعليم العالي الأكاديمي والبحث العلمي المعمق، والرافعة الأساسية لتأهيل الكفاءات العليا القادرة على مواكبة دينامية التنمية المؤسساتية والاقتصادية والارتقاء بالبحث العلمي. وفي ظل النقاش المستمر حول تدبير عمليات الولوج إلى هذه التكوينات، بات لزاما إسقاط صيغة الامتحانات الكتابية والشفوية التقليدية التي أثبتت عجزها، والقطع النهائي مع عشوائيتها التي تفتح أبواب الشكوك والزبونية على مصراعيها.
فالاختبارات -بغض النظر عن الجهود المبذولة لتنظيمها- تظل عرضة للتأويلات في عمليات التصحيح وتقدير النقط التي تضرب في صميم الثقة العامة. والأمر يزداد تعقيدا حين يتعلق الأمر بالاختبارات الشفوية، إذ تتحول المقابلات الشخصية في كثير من الأحيان إلى فضاءات تتسرب إليها الذاتية والانطباعات الشخصية غير الموضوعية، مما يفتح الباب واسعا أمام الشكوك حول تكافؤ الفرص والمحسوبية والزبونية، ناهيك عن كونها محكومة بظروف نفسية طارئة أو أسئلة لا تقيس العمق المعرفي الحقيقي للمترشح.
وفي المقابل، يبرز بوضوح ضرورة تبني نموذج الانتقاء المعياري بناء على المسار الدراسي ودراسة الملف وحده، باعتباره الحل الجذري والأمثل لضمان تكافؤ الفرص وإنصاف المجدين. فالطالب الذي قضى 3 سنوات في الجد والتحصيل وأبلى بلاء حسنا في مختلف الوحدات والفصول، يستحق أن يقاس جهده بمقياس موضوعي يعكس تحصيله الفعلي. فالاعتماد على دراسة الملف –المتضمن للمعدلات الفصلية، ووتيرة التميز، ونوعية الأبحاث والمشاريع المنجزة– يشكل مؤشرا أكثر صدقية وموثوقية، بالنظر إلى التجارب الناجحة للنظم الجامعية المقارنة في الدول المتقدمة -فرنسا وإسبانيا نموذجا- التي تجعل من ملف المترشح، التراكم العلمي والتحصيل المستمر طيلة سنوات الإجازة المعيار الوحيد للاستحقاق والجدارة.
وعليه، فإن إرساء نظام للولوج يعتمد كليا على الانتقاء المعياري الصارم فقط يمثل الخيار الأمثل لتجاوز أعطاب الاختبارات الحضورية، ودرء أي شبهات محتملة. ولا سيما أن إلغاء الاختبارات الكتابية والشفوية والاقتصار على الانتقاء فقط، كما جاء في دفتر الضوابط البيداغوجية لسلك الماستر الصادر بالجريدة الرسمية سنة 2025، يقطع باب الشبهات والاتهامات التي غالبا ما تحوم حول نزاهة هذه المحطات. وبالتالي فإن تحصين الجامعة ضد هذه الشبهات لا يمكن أن يتحقق إلا عبر اعتماد معايير مؤسسة وموضوعية بالكامل.
مزايا الانتقاء فقط لا تقف عند هذا الحد، بل تتجلى أيضا في تحويل مسار المباراة من “مباراة حظ” مرتبطة بيوم الامتحان إلى “مسار استحقاق” مستدام؛ فالشفافية المطلقة التي توفرها المنصات الرقمية لفرز الملفات بناء على نقاط واضحة ومعلنة سلفا –كالمعدلات السنوية، عدد سنوات الإجازة، والميزات المحصل عليها، وبحث التخرج– تجعل كل مترشح قادرا على تتبع وضعيته بموضوعية تامة ودون أي هامش للتدخل البشري المباشر. كما أن هذا النمط يعفي الإدارة الجامعية والأساتذة الباحثين من ضغوطات التشكيك وحرج التعامل مع الاتهامات المتكررة التي تسيء لسمعة الجامعة وتعرقل الدخول الجامعي في أوقاته المحددة.
ختاما، فإنه لابد من التفعيل السليم لدفتر الضوابط البيداغوجية لسلك الماستر، واقتصار الولوج على الانتقاء الشفاف والمؤطر بمعايير صارمة؛ فهذا التوجه لا يعتبر مجرد خيار تقني، بل هو خيار استراتيجي لتحديث الإدارة البيداغوجية وترسيخ قيم الاستحقاق والجدارة. وحين نرفع سقف الثقة في المسار الأكاديمي للطلبة ونعتمده معيارا وحيدا للتقييم، فإننا نبعث برسالة قوية مفادها أن الجد والاجتهاد طيلة سنوات الإجازة هما السبيل الوحيد للارتقاء المعرفي وتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص، وبذلك نغلق الباب نهائيا أمام كل التأويلات والشبهات التي تعرقل صفاء العملية التعليمية وسمعتها المؤسساتية.

