أبو علي بلمزيان يكتب… حين يتحول النقد إلى اختزال للتاريخ

أبو علي بلمزيان

ابو علي بلمزيان

– في نقد بعض القراءات المراجعاتية للتجربة الماركسية من منظور المادية الجدلية والمادية التاريخية

ليست الأزمة التي يعيشها اليسار اليوم أزمة نصوص، ولا أزمة أسماء، ولا أزمة شعارات. إنها، في جوهرها، أزمة علاقة بالواقع الملموس وبالمنهج الذي يجعل من هذا الواقع نقطة الانطلاق ونقطة العودة معًا. لذلك فإن أي مراجعة فكرية تدّعي الانتماء إلى الماركسية لا تُقاس بمدى جرأتها في إعلان القطيعة مع الماضي، وإنما بمدى وفائها للمنهج المادي الجدلي الذي يرفض الأحكام المطلقة، ويرفض تحويل التاريخ إلى لائحة اتهام أو إلى مرافعة تبرئة.

إن بعض الكتابات المعاصرة التي تتناول تاريخ الحركة الشيوعية[ على سبيل المثال مقال لمحمد الوافي : قضايا نظرية وسياسة حارقة: سؤال النظرية والممارسة أمام الانهيار المزدوج] تنطلق من رغبة مشروعة في مساءلة التجارب الكبرى، وفي مقدمتها التجربة السوفياتية. غير أن هذه الرغبة، حين تنفصل عن المنهج العلمي، تنتهي إلى إنتاج سرديات تبسيطية تستبدل التحليل التاريخي بالأحكام النهائية، وتستبدل الجدل التاريخي بثنائيات جامدة: ماركسية حية في مقابل ماركسية ميتة، لينين ثوري في مقابل لينينية منحرفة، أو انهيار الاتحاد السوفياتي باعتباره شهادة وفاة نهائية لكل المشروع الاشتراكي.

هذه ليست قراءة ماركسية للتاريخ، بل قراءة تختزل التاريخ في نتائجه، وتستبدل قوانين الحركة التاريخية بمنطق الإدانة بأثر رجعي.

لقد علمتنا المادية التاريخية أن كل ظاهرة اجتماعية هي نتاج لشروطها المادية، وأن الأفكار والمؤسسات والدول لا تُفهم بمعزل عن السياقات التي أنتجتها. ومن هذا المنطلق، فإن التجربة السوفياتية لا يمكن اختزالها في شخص، ولا في مرحلة، ولا في سلسلة من الأخطاء السياسية، كما لا يمكن اختزالها في إنجازاتها. لقد كانت تجربة تاريخية مركبة، حملت في آن واحد إنجازات كبرى وتناقضات عميقة، ولا يجوز أن يتحول نقدها إلى نفي شامل لكل التراث النظري الذي سبقها أو رافقها.

إن أول ثغرة منهجية تقع فيها بعض هذه القراءات هي الخلط بين ثلاثة مستويات مختلفة: الماركسية باعتبارها منهجًا لتحليل المجتمع، واللينينية باعتبارها تطويرًا نظريًا في سياق الإمبريالية والثورة الروسية، والستالينية باعتبارها تجربة تاريخية في إدارة الدولة والحزب. إن دمج هذه المستويات في مستوى واحد يقود حتمًا إلى استنتاجات مضللة؛ فإذا انهارت تجربة تاريخية بعينها، عُدَّ ذلك انهيارًا للنظرية ذاتها، وكأن الأفكار تُقاس فقط بمصير الدول التي ادعت تمثيلها.

ولو أخذنا هذا المنطق إلى نهايته، لكان علينا أن نعلن إفلاس الليبرالية مع كل أزمة مالية عالمية، أو نهاية الديمقراطية البرلمانية مع كل صعود للفاشية، أو سقوط الفكر القومي مع هزائم الدول القومية. لكن التاريخ لا يتحرك بهذا المنطق الميكانيكي، بل عبر تناقضات معقدة تتفاعل فيها البنية الاقتصادية، والصراع الطبقي، والظروف الدولية، وأشكال التنظيم السياسي.

إن الماركسية لم تقدم نفسها يومًا باعتبارها عقيدة مغلقة أو نصًا مقدسًا. لقد أكد ماركس نفسه أن منهجه ليس وصفة جاهزة، بل أداة لفهم الواقع المتغير. ولذلك فإن الوفاء الحقيقي لماركس لا يكون بترديد عباراته، كما لا يكون بإعلان القطيعة معه، بل بتطبيق منهجه على الواقع الملموس، حيث تُختبر صحة الفرضيات في حركة المجتمع لا في الشعارات.

ومن هنا، فإن أي مراجعة جادة للتجربة السوفياتية يجب أن تبدأ بتمييز دقيق بين النظرية والتجربة، وبين المبادئ وآليات تطبيقها، وبين ما فرضته الظروف التاريخية وما تحول لاحقًا إلى خيارات سياسية قابلة للنقد. أما اختزال قرن كامل من تاريخ الحركة الشيوعية في معادلة بسيطة تقول إن انهيار الاتحاد السوفياتي يعني سقوط “الماركسية اللينينية”، فهو استنتاج يفتقر إلى الدقة المنهجية، لأنه يقفز فوق الوسائط التاريخية التي تشكل جوهر التفكير المادي الجدلي.

إن السؤال الحقيقي ليس: من انتصر في الماضي؟ بل: هل ما زالت الرأسمالية المعاصرة تنتج التناقضات التي كشف عنها ماركس؟ وهل ما زال الاستغلال، والاحتكار، واللامساواة، والتبعية، وتشييء الإنسان، حقائق ماثلة في عالم اليوم؟ إذا كان الجواب بالإيجاب، فإن النقاش لا ينبغي أن ينحصر في إعلان نهاية تجربة تاريخية، بل في كيفية تجديد أدوات التحليل والنضال لمواجهة الشروط الجديدة.

وهنا يكمن الفارق بين المراجعة الماركسية والمراجعة الليبرالية للتاريخ. الأولى تسائل الواقع لتطور النظرية، والثانية تسارع إلى إعلان انتصار نهائي للرأسمالية مع كل تعثر يصيب خصومها. أما المنهج الجدلي، فإنه يعلمنا أن التاريخ لا يعرف نهايات مطلقة، وأن الصراع الاجتماعي لا يتوقف عند سقوط دولة أو بروز أخرى، بل يعيد إنتاج نفسه بأشكال جديدة كلما تغيرت شروط الإنتاج والصراع.

من هذا المنطلق، يصبح المطلوب اليوم ليس كتابة مراثي للتجارب المنهارة، ولا كتابة ملاحم تمجيدية لها، وإنما بناء نقد ماركسي يستوعب الإنجازات والإخفاقات معًا، ويميز بين ما تجاوزه التاريخ وما لا يزال يحتفظ بقدرته التفسيرية. تلك هي نقطة البداية لأي مشروع يساري يسعى إلى تجاوز أزمته دون أن يفقد بوصلته الفكرية.

يتبع