أبو علي يكتب “حديث رمضان” (13)..التناقضات الحديثية بين التأويل السلطوي والثبات القرآني

أبوعلي بلمزيان

إذا كان النص القرآني قد تميز بثباته واستمراريته عبر الزمن دون تغيير، فإن الحديث، على العكس من ذلك، شهد تراكماً روائياً متضارباً يعكس الصراعات الاجتماعية والسياسية التي رافقت نشأة الدولة الإسلامية وتطورها. فالحديث لم يكن مجرد نصوص روحية أو أخلاقية، بل كان ولا يزال ميداناً للصراع الأيديولوجي، حيث استخدمته القوى المهيمنة عبر التاريخ لترسيخ سلطتها وشرعنة واقعها السياسي والاجتماعي، وهو ما يفسر التناقضات العديدة التي تشوبه.

القرآن يضع معياراً واضحاً لتمييز الخطاب الإلهي عن غيره، إذ يقول: “وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا” (النساء: 82)، وهذه القاعدة القرآنية تسقط حتماً على الحديث، الذي امتلأ بالاختلافات والتناقضات في السند والمتن، مما يكشف عن تدخل العامل البشري في إنتاجه وتدوينه. فإذا كان الوحي منزهاً عن التناقض، فكيف يُفسَّر وجود روايات متضاربة نسبت إلى النبي؟ كيف يمكن الجمع بين حديث يقول “لا عدوى ولا طيرة” وحديث آخر يقول “فر من المجذوم فرارك من الأسد”؟ كيف يُبرر وجود حديث يصف المرأة بأنها ناقصة عقل ودين، بينما يقرر القرآن في مواضع عدة مساواة الرجال والنساء في التكليف والمسؤولية؟ هذا التضارب ليس مجرد خطأ في النقل، بل هو تعبير عن اختلاف السياقات الاجتماعية والسياسية التي أفرزت هذه النصوص.

التاريخ الإسلامي لم يكن تاريخاً مقدساً، بل كان فضاءً لصراعات القوى، حيث انتقلت الهيمنة من قريش إلى بني أمية، ثم إلى بني العباس، وكل مرحلة من هذه المراحل شهدت إنتاجاً كثيفاً للأحاديث التي تعزز شرعية الحاكم وتخدم مصالح النخبة المسيطرة. لم يكن غريباً أن تنتشر أحاديث تمجد الطاعة المطلقة للحكام، مثل “اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك”، فهذا الخطاب يتناقض جوهرياً مع الآيات القرآنية التي تحث على العدل ومقاومة الظلم، مثل قوله: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ” (النساء: 58). أيهما أكثر انسجاماً مع روح التحرر والعدالة: قرآن يرسّخ قيم المسؤولية والمحاسبة، أم حديث يرسّخ الطاعة العمياء للحاكم؟

التناقضات لم تتوقف عند الجانب السياسي، بل امتدت إلى المفاهيم الكونية والعلمية، حيث نجد أحاديث تتعارض مع الحقائق العلمية، مثل الحديث الذي يصف الشمس بأنها تغرب في عين حمئة، وهو ما يتناقض مع المعرفة العلمية لحركة الأجرام السماوية، بينما نجد القرآن يتحدث بلغة أكثر انفتاحاً تتيح التطور العلمي، كما في قوله: “وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ” (الأنبياء: 33). هذا الفرق الجوهري بين النصين لا يمكن تفسيره إلا من خلال فهم طبيعة كل منهما: القرآن كنص ديني محكم غير خاضع للتلاعب السياسي، والحديث كنص تاريخي خضع لإعادة الإنتاج وفق متطلبات السلطة والمعرفة السائدة في كل عصر.

علماء الحديث، في محاولاتهم لإنقاذ المنظومة الحديثية، لجأوا إلى أدوات مثل الجرح والتعديل، والنسخ، وتأويل الأحاديث المتناقضة، لكن هذه الاستراتيجيات لم تنجح في إخفاء الحقيقة الجوهرية، وهي أن الحديث لم يكن نصاً منزلاً، بل كان فضاءً لتداخل الروايات والأيديولوجيات، حيث أُنتج بعضه لخدمة أغراض سياسية، وبعضه الآخر لأسباب اجتماعية وثقافية، مما يجعل التعامل معه كحقيقة مطلقة نوعاً من التواطؤ مع التاريخ الرسمي الذي فرضته السلطة.

التيارات الإصلاحية التي تحاول غربلة الحديث وإعادة قراءته وفق مناهج عقلانية تظل أسيرة معادلة مستحيلة، إذ تحاول التوفيق بين نصوص متناقضة جوهرياً. فبدلاً من تفكيك الإطار الذي نشأت فيه هذه التناقضات، تكتفي بإسقاط بعض الأحاديث والإبقاء على أخرى، كما لو أن المشكلة تكمن فقط في بعض الروايات المشبوهة، وليس في المنظومة ككل. هذا النهج الإصلاحي الجزئي لا يختلف كثيراً عن محاولات الترقيع التي عرفها الفكر الديني في محطات تاريخية سابقة، حيث يتم تقديم قراءات جديدة للنصوص دون المساس بالبنية العميقة للخطاب الديني السلطوي.

الصراع حول الحديث ليس مسألة علمية بقدر ما هو صراع على السلطة، فمن يمتلك الحق في تفسير النصوص؟ ومن يحدد أي الأحاديث صحيحة وأيها مدسوسة؟ إذا كان النص القرآني قد ظل متماسكاً في بنيته، فذلك لأنه لم يكن مجالاً لتدخل القوى الاجتماعية والسياسية كما حدث مع الحديث، الذي تحول إلى ميدان لصراع التأويلات. فليس صدفة أن نجد أحاديث تبرر العبودية، وأخرى تشجع على اضطهاد المرأة، وأخرى تعزز الانقسام المذهبي، فهذه الروايات لم تكن سوى انعكاس للبنية الطبقية والمصلحية التي فرضت نفسها على التاريخ الإسلامي.

إن التمسك بالأحاديث المتناقضة، رغم تعارضها الواضح مع القرآن، ليس سوى استمرار لمشروع الهيمنة الأيديولوجية، حيث يتم ترسيخ التقاليد الفقهية كحقائق ثابتة، ويتم تصوير أي محاولة لمراجعتها على أنها تهديد للدين نفسه. لكن الواقع أن التهديد الحقيقي ليس في مراجعة التراث، بل في الجمود الذي يحول النصوص إلى قيود تكبل العقل وتمنعه من الانطلاق نحو آفاق أكثر تحرراً وانفتاحاً. فكما أن التاريخ ليس مقدساً، فإن المرويات التاريخية ليست معصومة من النقد، بل هي جزء من تراث بشري خاضع لموازين القوى التي أنتجته. والرهان هنا ليس على تصحيح بعض الأحاديث أو تنقيحها، بل على تفكيك البنية الفكرية التي جعلت الدين أداة للهيمنة بدلاً من أن يكون أداة للتحرر.

ما لم يتم الاعتراف بأن الحديث هو منتج تاريخي خاضع لصراعات القوى الاجتماعية، فإن أي محاولة لفهمه أو التعامل معه ستظل تدور في حلقة مفرغة. والتحدي الحقيقي لا يكمن في إعادة تفسير النصوص، بل في إعادة بناء الوعي الديني على أسس عقلانية، بحيث يتم تجاوز مرحلة النقل الأعمى إلى مرحلة الفهم النقدي، مما يفتح المجال أمام رؤية أكثر تحرراً للدين، رؤية لا تخضع لإرث السلطة، بل تستند إلى قيم العدالة والحرية التي شكلت جوهر الرسالة القرآنية.
الحسيمة في 14 مارس 2025.
•⁠ ⁠أبوعلي بلمزيان.