أبو علي يكتب حديث رمضان (20)..تأويلات تاريخية وخطابات سياسية: الاختلاف في مسألة موعد الساعة بين النص القرآني والحديث

أبوعلي بلمزيان

يظهر من خلال النص القرآني في قوله تعالى: “يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي” (الأعراف: 187)، يُظهِر موقفا حاسما يقوم على تأكيد استحالة معرفة موعد يوم القيامة إلا عند الله، مما يرسّخ مبدأ الحتمية الإلهية التي لا تخضع لأي تساؤل بشري أو تأويل تاريخي. وهذا الموقف يعد حجر الأساس في النظام التشريعي القرآني الذي يتسم بالثبات والوضوح، حيث لا يجوز انتهاك هذا المبدأ بأي شكل من الأشكال. لكن وفي المقابل، نجد أن الحديث النبوي الذي يرويه البخاري، والذي يقول: “بعثت أنا والساعة كهاتين…”، يُطرح على أنه يشير إلى قرب وقوع الساعة منذ زمن النبي، مما يخلق حالة من التناقض الظاهري بين النص القرآني الذي ينفي إمكانية تأويل موعد القيامة، والحديث الذي يبدو وكأنه يضع موعدا قريبا لذلك الحدث رغم مرور أكثر من 1400 عام دون تحقق.

هذا التناقض، عند النظر إليه بمنهجية المادية التاريخية، لا يمكن فهمه إلا ضمن سياق تاريخي واجتماعي محدد. فبينما يهدف القرآن إلى ترسيخ فكرة أن علم الغيب محفوظ عند الله وحده، فإن الأحاديث التي تنتج في ظل ظروف اجتماعية وسياسية متقلبة غالبا ما تكون محاولة لإعادة صياغة الواقع وفقا لمتطلبات السلطة وتوجهات الجماهير في تلك الفترات. إن الحديث الذي يشير إلى قرب الساعة، بدلا من كونه تعبيرا علميا بحتا، فإنه يمثل منتجا تراثيا تعكس به تلك الروايات حالة من الترقب السياسي والثقافي، حيث كانت القوى الحاكمة تسعى إلى خلق حالة من الذعر والخوف بين الناس لتعزيز هيمنتها على الوعي الجماعي.

في هذا الإطار، يمكن القول إن الحديث الذي يذكر: “بعثت أنا والساعة كهاتين…”، لم يكن سوى محاولة من بعض التيارات الفكرية آنذاك لفرض تصور زمني محدد للقيامة، بحيث يستخدم هذا التصور كأداة للتحكم في الأفكار والسلوكيات، وهو ما يتماشى مع خطاب اليسار الراديكالي الذي ينظر إلى هذه الظواهر على أنها نتاج لصراع على السلطة الثقافية والمعرفية. فبدلا من أن يكون الحديث توثيقا موضوعيا لواقع غيبي لا يمكن الوصول إليه بالوسائل العلمية، فإنه يتحول إلى أداة أيديولوجية تستخدم لترسيخ فكرة أن النهاية قريبة، مما يبرر بالتالي سياسات إقصائية أو استبدادية تبني على فكرة أن النظام القائم يحتاج إلى إعادة تأسيسه من خلال إحداث تغييرات جذرية عاجلة.

ومن الناحية اللغوية والسياسية، يظهر هذا التناقض كيف أن النصوص التراثية قد تستغل في بناء سرديات متناقضة؛ فبينما يحافظ القرآن على اتساق رؤيته لعلم الغيب باعتباره حكرا على الله، تستخدم بعض الأحاديث لإثارة مشاعر الذعر والترقب، مما يؤدي إلى فصل بين المفهوم القرآني الثابت وبين الروايات اللاحقة التي سطرت في أجواء سياسية متأزمة. إن هذا التباين اللغوي في التعبير لا يكون مجرد اختلاف في الأسلوب، بل هو انعكاس لحركة تاريخية معقدة حاولت فيها السلطات استغلال فكرة “الساعة” لتبرير سياسات قمعية أو لإعادة ترتيب البنى الاجتماعية وفقًا لمصالح معينة.

إن منهجية المادية التاريخية تكشف أن هذا التناقض ليس إلا جزءا من عملية إنتاج معرفي تحاول من خلالها القوى الحاكمة إعادة تأطير الخطاب الديني بما يتناسب مع متطلبات السيطرة على الجماهير. فالقرآن، في نصه الثابت، يفترض أن يكون مرجعا مستقلا عن أي تغيير تاريخي، بينما تأتي الأحاديث لتعبّر عن حالات من الاستجابة للأزمات السياسية والثقافية التي مرّت بها المجتمعات الإسلامية. ومن هنا يظهر أن الاختلاف بين قوله تعالى: “إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي”، وبين الحديث الذي يستعمل فيه لتحديد موعد الساعة، ليس إلا انعكاسًا لصراع دائم على السلطة المعرفية؛ صراع يسعى فيه كل طرف إلى فرض رؤيته على الوعي الجماعي، مهما كانت هذه الرؤية بعيدة عن الواقع العلمي أو عن التمسك بالنص القرآني.

بهذا فإن التناقض بين النص القرآني والحديث في مسألة تحديد موعد يوم القيامة لا يُعد مجرد مسألة تأويلية سطحية، بل هو تعبير عن محاولات تاريخية لإعادة تشكيل الوعي الديني وفق معايير سياسية واجتماعية محددة، ما يستدعي إعادة قراءة نقدية لهذه النصوص في ضوء منهجية المادية التاريخية، وبتوجيه خطاب يسلّط الضوء على كيفية استغلال الأحاديث كأدوات للهيمنة الفكرية، بدلا من النظر إليها كحقائق مطلقة لا يجوز المساس بها.
•⁠ ⁠الحسيمة في 21 مارس 2025.
•⁠ ⁠أبوعلي بلمزيان.