“أطروحتنا هي بنكيران نفسه” “أخنوش أحسن رئيس” : اختزال السياسة

هدى سحلي

هدى سحلي

في أعقاب نشر مقالي السابق بعنوان “المسار الانحداري لحزب العدالة والتنمية” بعد تنظيم مؤتمره الوطني عددتُ فيه ما خلّفته تجربة الحزب في الحكومة من أعطاب سياسية وتنظيمية، قادته في نهاية المطاف إلى الانهيار. وقتها، تواصل معي صديق من الحزب، معترضا على ما أعتبره مغالطات في تحليلي لمخرجات المؤتمر الذي أعاد بنكيران لا كمجرد قيادي له رصيد سياسي بل ” كأمل ومنقذ” يعوّل عليه لترميم الصدع التنظيمي والسياسي الذي طال الحزب.

وفي معرض دفاعه عن الحزب والحديث عن مشروعه الفكري، اختصر الصديق كل النقاش في عبارة: “أطروحتنا هي بنكيران نفسه”، قابلتها حينها بالابتسام.
كانت هذه الجملة لحظة إدراك حادة: الحزب الذي رفع شعارات الإصلاح والديمقراطية وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، عاد في النهاية ليجعل من شخص عبد الإله بنكيران — بكل ما يمثله من رمزية وشعبوية — عنوانًا وحيدًا لأطروحته السياسية والتنظيمية. بدل أن يُستدعى كجزء من مراجعة نقدية جماعية، عاد بنكيران كـ”منقذ”، تُعلق عليه آمال الترميم بدل إعادة البناء.
لكن ما بدا في لحظته استثناء داخل العدالة والتنمية (على الأقل في حدود التصريح المستسهل للعبارة) سرعان ما كشف عن قاعدة أوسع في المشهد السياسي المغربي: تجويف الحياة الحزبية من أي مضمون فكري، واختزالها في أشخاص يُنسب إليهم النجاح والفشل معًا.
ففي مشهد مماثل، وأثناء لقاء جهوي لحزب التجمع الوطني للأحرار في الداخلة، ألقت الممثلة والبرلمانية فاطمة خير كلمة أثنت فيها على عزيز أخنوش بطريقة مبالغ فيها، وأغدقت عليه المدح، في خلوّ تام من أي مضمون سياسي أو تحليل واقعي أو حتى مجهود في إنتاج خطاب بلغة خشبية. فقط تمجيد شخصي يبتعد عن أي نقاش حزبي حول السياسات العمومية أو الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المغاربة، والتي أمعن حزبها في تقويضها وسحقها باعتماد سياسات “ليبرالية متوحشة”لصالح أقلية تنتفع من الدولة بل وحولتها إلى دولة زبونية أسّ وجودها حفظ وخدمة مصالح النخبة المالية لا المصلحة العامة.
ما يجمع هذه الوقائع، سواء داخل البيجيدي أو الأحرار وأحزاب أخرى، هو أزمة نخب سياسية لا تُنتج أفكارًا، ولا تقترح بدائل، نخب بثقافة سياسية خاضعة، بدلًا من أن تكون محركًا للتغيير ومصدرًا للأفكار والمشاريع، أصبحت رهينة للأشخاص والرموز، مما أدى إلى تراجع دور الأحزاب كفضاءات للنقاش والتفكير الجماعي، في انسجام تام مع منطق منظومة سياسية ودستورية تُحدد سلفًا حدود المبادرة، وتُدجّن المساحات الحزبية.
فالمنظومة الدستورية، كما رسختها مراجعة 2011، ورغم ما حملته من وعود بتوسيع سلطات الحكومة وتعزيز مبدأ فصل السلطات، بقيت تُفرغ العمل الحزبي من جوهره السيادي الحقيقي، وتحوله إلى مجرد إدارة انتخابية أو منصة لتسويق البرامج العليا. وهو ما عبرت عنه فاطمة خير بسذاجة حين قالت: حكومة منسجمة ومتماسكة باش تنزّل المشاريع لي كأمر بها صاحب الجلالة” في هذا السياق، يصبح الحزب الذي يُفرط في الطاعة، أو القادر على التعبئة حول الزعيم، هو الأقرب إلى “النجاح” في منطق اللعبة، ولو على حساب السياسة.
إننا نعيش أزمة نخب بقدر ما نعيش أزمة مشروع. لم تعد هناك نخب تُنتج خطابًا سياسيًا أو رؤى مجتمعية، بل وجوه تُجمّل الوضع أو تُسوّق الإنجاز. هذا الفقر النخبوي يرتبط كذلك بمنظومة ثقافية أوسع تُعيد إنتاج التبعية بدل الاستقلال، والاصطفاف بدل المبادرة، والتصفيق بدل النقد.
والنتيجة؟ نظام سياسي قائم على مؤسسات حزبية هشة، نخب ضعيفة، وتمثيلية باهتة. نظام لا يُفرز المعارضة ولا يُنضج البدائل، بل يُدير توازنات قائمة على الولاء أكثر من الكفاءة، وعلى التموقع أكثر من التصور.
“أطروحتنا هي بنكيران نفسه” ليست مجرد تعبير عفوي في لحظة، بل هي التعبير المكثف عن أزمة سياسية مغربية مركبة: أزمة خطاب، وأزمة نخبة، وأزمة منظومة هجينة تقف عند عتبة الديمقراطية دون أن تدخلها.
ملاحظة لها علاقة

يَفترِضُ بعض الفاعلين في المجال السياسي — حتى لا أقول فاعلين سياسيين — أن ممارستهم المفرطة لسلوك الولاء وتمجيدهم لقادتهم، تضعهم بدورهم، ضمن تراتبية متوهمة، في موقع يستوجب التبجيل والصمت عن نقدهم، وكأن الولاء يمنحهم حصانة رمزية ضد الاعتراض أو المساءلة.

وبعضهم لم يتذكر أن يمارس دوره البرلماني الا بعد أن ناله بعض الانتقاد والسخرية ليطالب بالتشريع لحمايته من بعض “التنمر” وكأن البرلمان وجد للتشريع لسلامته النفسية فوق ما هو يستغل للتشريع لمصالح الأقلية.

وبهذا اهنئ فاطمة خير بأول احتكاك بعالم السياسة