بقلم: هدى سحلي
التغيير لا يأتي في شكل صدمة
ندرك ذلك جيدًا، ونعلم أن عدم الاستجابة الفورية لمطالب الإصلاح والتغيير، كما نتصورها، لا يجب أن يثبط عزيمة الشباب. فكل موقف، وكل تحدّ، وكل حدث، هو فرصة لبناء تراكمات تتيح تحقيق التغيير في اللحظة السياسية الملائمة.
إن التغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي يحتاج إلى نفس طويل وصبر استراتيجي. فبعض المعارك قد يؤجل كسبها، لكن الحرب ضد الجمود المؤسساتي والفساد مستمرة.
من كل حدث احتجاجي نتعلم أن الحصيلة لا تُقاس بنتيجة احتجاج واحد، بل بتراكم التجارب وتكرار الممارسة الديمقراطية. كل نقاش مفتوح، كل مبادرة شبابية، كل اقتراح إصلاحي، هو خطوة في طريق التغيير.
لقد رفع جيل Z صوته، وأثبت من جديد أن الشباب قادر على المشاركة والمساءلة والمراقبة، وأنه لم يعد مكتفيا بالصمت الرقمي أو بانتظار الإصلاح من الآخر. إنه جيل لا يمكن تدجينه أو صرفه عن قضاياه الأساسية.
المكسب الحقيقي من الاحتجاجات الأخيرة لا يكمن فقط في الحضور الميداني، بل في إحياء النقاش العمومي وإعادة الحياة إلى الوعي السياسي.
وكما قال عبد الله العروي في ديوان السياسة:
“بمجرد أن أسأل: ما السياسة؟ ما السلطة؟ ما السيادة؟ ما الأمر؟ ما الكلمة؟
فذاك يعني أن حادثًا ما قد حدث… قطيعة نسجّلها في كل مجتمع تسيَّس.”
لقد استعاد الشباب حقه الطبيعي في النقاش، وفرض على المجتمع كله أن يصغي إلى نبضه وأسئلته الصعبة، فخلق انفراجا ومساحة خصبة لعودة التعبيرات الاحتجاجية والمطلبية داخل المجتمع المغربي، امتدادا لكل الحركات الاجتماعية التي عرفها المغرب خلال العقد ونصف الأخيرين.
لقد مرّ المغرب بمرحلة الانتقال الديمقراطي التي حسمتها الدولة مع دستور 2011، والذي دفعت به حركة 20 فبراير، في سياق إقليمي خدمها “الربيع العربي”، وسياق محلي استُهلك فيه شعار الانتقال الديمقراطي واستنفد إمكاناته.
أما اليوم، ونحن في مرحلة الدولة الاجتماعية، فالمناخ مختلف، لكنه لا يقل أهمية، فالتحديات الجديدة تفرض يقظة ونضالا متواصلين، من أجل محاربة الفساد وفضح المفسدين، ودمقرطة الدستور والتشريعات، وممارسة الضغط على المشرّعين لرسم سياسات تخدم الصالح العام، سياسات تخدم الشباب والنساء وكل المواطنين من المدن إلى أقاصي الجبال.
التغيير الفعّال اليوم يتطلب أن تتحمّل النخب الاجتماعية والسياسية والمدنية مسؤوليتها في مواجهة الرقابة الذاتية، وأن تمتلك الشجاعة على قول “لا”، كما امتلك جيل Z هذه الشجاعة وأجيال سابقة.
الأحزاب، الإعلام، الجمعيات، والنقابات جميعها مطالبة بتسمية الأمور بمسمياتها، وبالمساءلة، ورفع الصوت ضد التجاوزات.
إن المشاركة لا تقتصر على الاحتجاج في الشارع، بل تتجسد في الانخراط المستمر في النقاش العمومي، وفي فضاءات التواصل والعمل الجماعي، وفي كل سلوك ديمقراطي يعزز الوعي والمسؤولية، وهو ما لمسناه وشهدناه ونشاهد جيل زد يفتحه غير منصة ديسكورد ويستضيف فاعلين مختلفين للنقاش في قضايا الوطن.
المشاركة في صناعة القرار لا تتحقق فقط عبر فتح النقاش العمومي والتعبير في الفضاءات الرقمية أو المدنية،
بل وأساسًا من خلال الانخراط في المؤسسات الحزبية، والمشاركة الفاعلة في الاستحقاقات الانتخابية
فصندوق الاقتراع يظل أحد أهم أدوات التغيير السلمي والمحاسبة، وهو الامتحان الحقيقي لمدى استعدادنا لترجمة مطالبنا وشعاراتنا إلى موازين سياسية داخل المؤسسات مادامت الاغلبية تحكم وتسمح بمرور قوانين و تشريعات نكوصية لا تخدم مصالح الشعب.
واليوم، ونحن في سياق انتخابي جديد، يبرز السؤال الجوهر:
هل نحن قادرون على تحويل هذه المحطة السياسية إلى فرصة حقيقية لصالح المواطنين، هل سنجعل منها لحظة مساءلة واختيار واع، أم سنتركها تمر كحدث عابر آخر في رزنامة السياسة المغربية؟

