الأحرار: ريع “قانوني”

هدى سحلي

بقلم : هدى سحلي

أثار تصريح كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، خلال لقاء حزبي لحزب التجمع الوطني للأحرار بمدينة الداخلة، جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية، بعدما كشفت عن استفادة برلماني الحزب، امبارك حمية، من دعم قدره 11 مليون درهم لإنشاء مشروع خاص بتفريخ الرخويات.

ورغم أن الوزارة سارعت إلى التوضيح في بلاغ لها، بأن المشروع يندرج ضمن برنامج وطني لدعم تربية الأحياء البحرية، يتم تمويله من طرف مؤسسات دولية كالبنك الإسلامي للتنمية والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، ويُخضع المشاريع لمعايير صارمة ضمن دفتر تحملات دقيق، فإن هذا الدفع القانوني لا يُلغي الإشكال الأخلاقي والسياسي الخطير الذي كشفت عنه الواقعة.

فمن الناحية الشكلية، يبدو أن المشروع يلتزم بمقتضيات قانونية وإجرائية واضحة. غير أن جوهر الإشكال لا يتعلق بالقانون فحسب، بل بـ”المشروعية الأخلاقية” التي يفترض أن تحكم علاقة المسؤولين العموميين ببرامج الدولة.

عندما يُعلن عن استفادة نائب برلماني ومسؤول بمؤسسة تشريعية من دعم عمومي، خلال لقاء حزبي، بحضور رئيس الحكومة وزعيم الحزب نفسه، فإن هذا يضرب عرض الحائط بمبدأ الحياد المؤسساتي، ويحول المال العام إلى أداة لإنتاج الولاء الحزبي بدل التنمية.

غياب الحس السياسي والأخلاقي

ما يثير القلق من المشروع نفسه، هو طريقة الإعلان عنه، والسياق الذي ورد فيه.

إذ تكشف هذه الواقعة عن قصور واضح في استيعاب مسؤولي الحزب لخطورة أقوالهم ومواقعهم. فكاتبة الدولة، بدل أن تفصل بين العمل الحزبي والوظيفة الحكومية، جعلت من منصة حزبية منبرًا للإعلان عن دعم من المال العام لصالح أحد زملائها، وكأنها تبارك الإنجاز الحزبي لا البرنامج العمومي.

هذا النوع من التصريحات، وإن حاولت الوزارة لاحقًا “تبريره” بتوضيحات تقنية، لم تجب على الإشكال الجوهري في هذا الموضوع والمرتبط بأخلاق السياسة مادمنا نتحدث عن فاعل حزبي، وأيضا مسألة المشروعية التي قد تنتفي حتى بتحقّق مطلب القانونية.

إضافة إلى أن مسؤولي هذا الحزب لا يميزون بين التصريحات التي ينبغي أن تُعلن بفخر وبين تلك التي يفترض أن تُقال بخجل – إن قيلت أصلًا – لما تحمله من دلالات صادمة على مستوى الأخلاق السياسية. وهم، في غمرة التباهي بـ”منجزاتهم”، لا يدركون أنهم يكشفون عن ممارسات تفتقر إلى أبسط شروط المشروعية الأخلاقية. ومع أن ذلك قد يُفهم حين نستحضر أنهم وافدون جدد على السياسة، يفتقرون إلى تقاليدها وضوابطها، إلا أن مثل هذه “الهفوات” تشكّل لحظات ثمينة لتنبيه الرأي العام إلى حجم الانزياحات التي تعرفها الممارسة العمومية، وإلى ما باتت تعرفه الدولة من تداخُل مقلق بين منطق التسيير ومنطق الغنيمة.

أكثر من ذلك، هذا الخرق يقع ضمن حالات العود في هذه الحكومة والحزب الذي يقودها، وفي البال حادثة دفاع رئيس الحكومة عن مشروعه الخاص المتعلق ب”محطة تحلية مياه البحر” بالدار البيضاء، حين استغل الجلسة الشهرية لمساءلة رئيس الحكومة للدفاع عنه. مُوقِعا نفسه في شبهة تضارب مصالح، والتي للأسف الشديد لم تجد داعيا للسادة البرلمانيين في التحقيق فيها وتشكيل لجنة تقصي الحقائق، كما يخول لهم الدستور ذلك.

ما نعيشه اليوم هو نموذج صارخ لتآكل الحس السياسي والرقابي، واحتقار الذكاء العمومي للمواطنين. إذ يُقدَّم الالتزام بالمساطر كحُجّة كافية لتمرير كل شيء، حتى ولو بدا غير عادل أو غير أخلاقي.

الاستفادة من مشاريع الدولة ليست في ذاتها جريمة، لكن حين تأتي هذه الاستفادة من داخل حزب يحكم، ولصالح منتخب مسؤول، وضمن خطاب حزبي تبجيلي، في سياق يتسم بمشهدية متناقضة، رأساها تردي ملحوظ في القدرات الشرائية للمواطنين والمواطنات، وأيضا ما ارتبط في الوعي الجمعي أننا بإزاء حكومة رجال أعمال التي تفتح الباب أمام فئة للاستفادة من موقعيْ السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية للاستفادة من “غنيمة المال العام”حيث يجري توزيع الملايير على مشاريع خاصة لمنتخبين أو وزراء أو مقربين، باستغلال القانون الذي يتم تطويعه أحيانا وصياغته على المقاس لتحقيق ما يمكن تسميته ب”الريع النظيف”، الذي لم يغادر منطقة شبهة تعارض المصالح.

فإننا لا نكون أمام مجرد مشروع، بل أمام صورة مصغّرة لثقافة سياسية تُقنّن الزبونية باسم القانون، وتجعل من الدولة غنيمة حزبية.

في الوقت الذي تصر فيه كل الخطابات على ترسيخ أخلاقية سياسية تحترم مبدأ تكافؤ الفرص، وتفصل بوضوح بين منطق الدولة ومنطق الحزب وليس فقط احترام القانون والانضباط له.

ذلك أن إعادة بناء الثقة في الدولة لن يتحقق ما دامت المشاريع تُسوّق وكأنها هدايا حزبية، وما دام مسؤولو الأحزاب الحاكمة لا يستوعبون أن المال العام مسؤولية ثقيلة، لا امتياز يُتبادل على منصات الاحتفال.

ملاحظة لها علاقة

أمام حالات العود هاته، يحق لنا ان نتساءل أيضا عن تقاعس مؤسسة البرلمان عن أداء أدوارها الرقابية، كاملة غير منقوصة، وتفعّل كل مساحات الفعل التي يخولها لها دستور البلاد، وأخص بالمساءلة هنا أحزاب المعارضة.