الأمازيغية بين الاستغلال الرمزي والتحرر الطبقي: نحو مشروع تحرري جذري للكادحين.

أبو علي بلمزيان

إن التفكير في بناء مشروع أمازيغي تقدمي يخدم الفئات الكادحة لا يمكن أن يتم دون تفكيك التناقض الجوهري الذي طالما شلّ إمكانيات هذا المشروع، وهو التناقض بين الإثني والطبقي، بين تصور الهوية كجوهر ثقافي متعال عن التاريخ والصراع الاجتماعي، وبين الوعي بها كمكون تاريخي تشكل داخل علاقات إنتاج غير متكافئة. إن المقاربة الوحيدة القادرة على تجاوز هذا الانفصام هي تلك التي يعتمدها التحليل المادي للتاريخ، بوصفه مدخلاً لفهم تشكل الهويات كنتاج لبنى تحتية لا كتعاليات رمزية، ومن ثم فتح أفق مساءلتها لا تقديسها.

إن ما يُسمى بـ”الوعي الأمازيغي” اليوم، كما يتجلى في خطابات جزء واسع من الحركة الأمازيغية، لا يزال رهين نزعة ثقافوية تختزل النضال في استعادة الرموز والأسماء والحروف، وتغفل الطابع الاستغلالي الذي طبع التاريخ الاجتماعي للمجتمعات الناطقة بالأمازيغية. هذا التجاهل يُعد ضربًا من الإنكار الطبقي، لأنه يُخفي الفوارق العميقة بين فئات اجتماعية داخل نفس المجال “الهوياتي”: بين من يملك الأرض والماء والسلطة الرمزية، وبين من يكابد الفقر والتهميش في الجبال والهامش والأحياء الشعبية. إن المشروع التقدمي لا يمكن أن يُبنى على هذا الأساس الإثنوي الموحِّد والمسطّح، بل على قاعدة الصراع الطبقي الذي يقطع مع خطاب القبيلة والدم والانتماء العرقي، ويراهن على بناء تحالف واسع بين المضطهدين، كيفما كانت لغاتهم وأصولهم، ضمن أفق تحرري جذري.

لا بد، إذن، من مساءلة البنية الطبقية لمجتمعات الأطلس والريف والصحراء، التي تعاني من التهميش المزدوج: من المركز المخزني ومن النخب المحلية، سواء التقليدية أو المعولمة. فكما بيّن بول باسكون، فإن النظام القروي المغربي لا يقوم فقط على التبعية للمخزن، بل أيضًا على تراكمات تاريخية من استغلال داخلي مارسته الزوايا والأعيان والتجار الكبار، الذين استخدموا القبيلة والدين لتبرير سلطتهم. ومن ثم، فإن تحرير الأمازيغية لا يمر عبر تفيناغ أو جواز السفر الأمازيغي، بل عبر نضال اجتماعي يفضح تلك البنيات ويفككها، ويجعل من اللغة والثقافة أدوات للتحريض، لا أدوات للتزيين.

المطلوب هو تحويل الهوية الأمازيغية من رصيد رمزي تستثمر فيه النخب في سوق الاعتراف، إلى مضمون تحرري يخوض الصراع ضد كل أشكال التهميش والاستغلال. لا يمكن للأمازيغية أن تتحرر في سياق تبعية اقتصادية شاملة، ولا يمكن أن تخدم الجماهير الكادحة ما دامت تُستعمل كأداة لإعادة إنتاج نخبوية جديدة، سواء كانت ناطقة بالأمازيغية أو لا. ولهذا، فإن أي مشروع تقدمي أمازيغي يجب أن يقطع مع التوظيف الانعزالي للهُوية، ويربط النضال الثقافي بالنضال النقابي، بالاحتجاج الاجتماعي، وبمعارك الأرض والماء والتعليم والصحة والسكن.

هذا المشروع لا يمكن أن يكون فوقيًا، بل عليه أن يتجذر في القرى الهامشية والمدن الصغرى، بين العمال الزراعيين والمياومين والعاطلين، حيث تعيش الأمازيغية كلسان يومي للكدح والبؤس، لا كشعار في لافتات الجمعيات. ويجب أن يُعاد ربط اللغة بالحياة، لا بحروف الزينة، وأن تتحول الثقافة إلى حقل للصراع والتنوير، لا إلى متحف للنوستالجيا. كما أن تجاوز التناقض الإثني/الطبقي يفترض تفكيك الخطاب القومي العروبي الذي مارس التهميش، لكن دون الوقوع في تكرار نفس منطقه بعكس الاتجاه، بل عبر خلق خطاب أممي جذري يجعل من المسألة الأمازيغية جزءًا من النضال العام ضد الرأسمالية والتبعية.

إن المسألة الأمازيغية، كما صاغها الوعي الرسمي، هي مسألة تدبير التنوع، أما كما يجب أن يصوغها الوعي التقدمي فهي مسألة عدالة اجتماعية. لن تتحرر الأمازيغية إلا حين تُنتزع من أيادي المتاجرين بها، وتُربط بمطالب الأغلبية الشعبية الكادحة التي لم تنل من “الاعتراف” سوى لافتات وشعارات، بينما ظل واقعها غارقًا في الفقر والحرمان. وهذا هو المشروع الممكن: أمازيغية للعمال والفلاحين والمعطلين، لا للنخب والناطقين باسمها.
•⁠ ⁠الحسيمة في 8 أبريل 2025.
•⁠ ⁠أبوعلي بلمزيان.