البرلمان المغربي بين غرفتيه الدستوريتين ومقاعده المحجوزة في السجن: انكسار الديمقراطية” تحت وطأة الفساد”

أبو علي بلمزيان

لم يكن أكثر المتشائمين يتوقع أن تتحول المؤسسة التشريعية في المغرب، من فضاء يزعم تمثيل إرادة الشعب وسَنّ القوانين، إلى مرآة تعكس عمق الأزمة السياسية التي نخرت بنية الدولة والمجتمع معاً. فبعد أن أصبح ثلاثون برلمانيا قيد الاعتقال بتهم تتعلق بالرشوة، وتبديد المال العام، والاتجار في النفوذ، يحق للمغاربة أن يتساءلوا: ما الذي جناه هذا الشعب من ولاية تشريعية تقودها أغلبية هجينة، ويتصدر مشهدها رجال أعمال وسماسرة انتخابات عوض ممثلي الأمة الحقيقيين؟

لسنا إزاء حالات معزولة أو شواذ عن القاعدة، بل أمام بنية سياسية متعفنة، تُفرز نخباً ملوثة منذ لحظة الترشح، وتمر عبر قنوات مدعومة بالمال الفاسد، لتستقر في البرلمان كامتداد طبيعي لمراكز النفوذ لا كصوت للشعب. حين يصبح السجن امتداداً لقاعة البرلمان، فذلك ليس مجرد سخرية سوداء، بل حقيقة سياسية دامغة، تُعبّر عن منسوب الانهيار الذي وصلت إليه المؤسسات المنتخبة، وعن زيف المسار الديمقراطي المغشوش.

ثمانية برلمانيين من حزب التجمع الوطني للأحرار، الحزب الذي يقود الحكومة ويتبجح بالإصلاح والنموذج التنموي الجديد، يقبعون اليوم خلف القضبان أو تحت طائلة المتابعة. فهل بالإفساد يُبنى المستقبل؟
خمسة من الأصالة والمعاصرة، الحزب الذي وُلد من رحم السلطة، وتحوّل إلى واجهة انتخابية للبيروقراطية المهيمنة.
أربعة من الاتحاد الاشتراكي، الحزب الذي خان تاريخه وميراثه النضالي، وركب موجة التماهي مع السلطة مقابل بعض فتات المناصب.
أربعة من الاتحاد الدستوري، ثلاثة من الحركة الشعبية، ثلاثة من الاستقلال، اثنان من التقدم والاشتراكية، وآخر من حزب مجهول…
كل هذا يوضح أن الخلل ليس في الأفراد، بل في النموذج الحزبي والامطار الدستوري بكامله الذي أصبح مرتعاً للانتهازيين، وتجار الانتخابات، وأصحاب الشكارة.

هذه الإحصائيات ليست مجرد أرقام، بل مؤشرات خطيرة على تحول البرلمان إلى مؤسسة بلا أخلاق، وإلى تجمع للمصالح، وأداة لإعادة إنتاج الريع السياسي. لم تعد الانتخابات تعبيراً عن الإرادة الشعبية، بل أصبحت بورصة للمضاربين السياسيين، تُفتح على مصراعيها أمام أصحاب المال القذر، وتُغلق في وجه المناضلين الحقيقيين، والكوادر النظيفة، والقوى التي ترفض الانبطاح للواقع المهترئ.

من المؤسف أن كل هذا الفساد يتم تحت أعين الدولة وأجهزتها، دون أن تحرك ساكناً إلا حين تتفجر الفضيحة وتصل إلى القضاء. فكم من برلماني وصل إلى المؤسسة التشريعية عبر الرشوة، وكم من رئيس جماعة راكم ثروات خيالية في ظرف وجيز، وكم من صفقة مشبوهة مرت من تحت الطاولة بغطاء قانوني؟ وأين هي الأحزاب من كل هذا؟ أين مواقفها من اعتقال منتخبيها؟ لماذا لم نسمع عن محاكمات داخلية؟ عن طرد أو تجميد العضوية؟ لماذا هذا الصمت المخزي الذي لا يفسره إلا التواطؤ؟

الديمقراطية” المغربية اليوم ليست مهددة فقط، بل مختطفة بالكامل. والخطر الأكبر ليس في وجود ثلاثين نائباً في السجن، بل في مئات غيرهم في الخارج، يمارسون النهب بلا مساءلة، ويحتمون بغطاء الشرعية الانتخابية التي أصبحت تُباع وتشترى. لقد تحول البرلمان إلى ما يشبه السوق، وتحوّلت السياسة إلى مقاولة، وتحولت الأحزاب إلى أصل تجاري لتزكية من يدفع أكثر.

في خضم كل هذا العبث، تظل الدولة مستمرة في إنتاج نفس النماذج، وتُمعن في إقصاء القوى الحية، وتُمعن في شيطنة اليسار الجذري، وتدجين المجتمع المدني، وإفراغ النقاش العمومي من أي مضمون نقدي. إن من يدفع ثمن هذا الانحطاط هو المواطن، الذي يفقد الثقة في المؤسسات، ويزداد نفوره من السياسة، ويتحول تدريجياً إلى مجرد مستهلك لا مواطن.

لا خلاص إلا بمواجهة جذرية لهذا النموذج المهترئ، لا بترقيع القوانين أو تغيير الوجوه. لا إصلاح بدون القطع مع منظومة الريع، ومع الأحزاب الوظيفية، ومع الانتخابات التي تُدار من فوق. لا ديمقراطية بدون مساءلة، وشفافية، وعدالة اجتماعية، ومؤسسات ينبثق عنها مناضلون حقيقيون، لا سماسرة. وحده اليسار الجذري، المرتبط بقضايا الجماهير، والمسلح بالوضوح النظري والسياسي، القادر على إحداث هذا القطع الضروري.

أما استمرار هذا العبث، فلن ينتج إلا المزيد من “المقاعد المحجوزة في السجن”، والمزيد من البؤس السياسي، والمزيد من التشكيك في جدوى الديمقراطية نفسها. وإنه لمن المخزي أن تتحول قاعة المحكمة إلى امتداد للمؤسسة التشريعية، وأن يصبح شعار “ممثل الأمة” قريناً بتهم الفساد. هذا واقع يجب فضحه، ورفضه، والنضال ضده بكل وضوح.

الحسيمة في 06 غشت 2025
ابو علي بلمزيان