أبوعلي بلمزيان
تتكشف أمامنا مجددا صورة العالم كما أرادتها قوى الدمار: سماء ملتهبة، وبحر محاصر بالنار، وشعوب تائهة بين الأنقاض.
الحرب المشتعلة بين إسرائيل وإيران لم تكن سوى تتويج حتمي لمسار طويل من الاحتقان والاصطفافات الدامية التي غذّتها الإمبريالية العالمية، وباركتها القوى الغربية التي لم تعد تخجل من اللعب بالنار على قارعة الخراب. ما يحدث اليوم ليس مجرد اشتباك مسلح بين خصمين إقليميين، بل هو تقاطع ناري لمصالح استراتيجية كبرى على حساب الدماء والدمار والخراب.
حين تُشعل إسرائيل فتيل الحرب، مدفوعة بغرورها النووي ودعمها المطلق من واشنطن، فهي تدرك أنها لا تواجه دولة فقط، بل محورا بأكمله. لكنها تراهن على تفككه، على هشاشته، وعلى عجز أنظمته عن ترجمة الشعارات إلى مواقف حاسمة. أما إيران، فترى في الرد العسكري ضرورة وجودية، ليس فقط لحماية هيبتها بعد سلسلة من الاختراقات الأمنية والعسكرية التي أهانت منظومتها الدفاعية، بل كذلك لترميم صورتها الإقليمية المتهالكة في أعين قواعدها الشعبية وحلفائها الميدانيين. ومن بين شظايا هذه المواجهة المشتعلة، تنهض المخاوف من اتساع رقعة النار لتشمل لبنان وسوريا والعراق واليمن، ولتتحول المنطقة برمتها إلى مسرح جديد لحرب شاملة تأكل الأخضر واليابس.
المنطقة برمتها تعيش اليوم على حافة الانهيار، لا لأن الصواريخ تتساقط فقط، بل لأن القيم تتساقط أيضًا. فالأنظمة العربية، المطبعة منها والمتحالفة، الغارقة في الانبطاح أمام البيت الأبيض، لم تعد تمتلك سوى عبارات الإدانة الباردة، بينما تقف الشعوب عاجزة، مسحوقة، في مواجهة آلة إعلامية تزين الخراب وتحوله إلى نصر، وتطمس الحقائق تحت ركام الأكاذيب. المؤسسات الدولية، بدورها، تواصل لعبتها السافلة: تتغاضى عن القصف الإسرائيلي لمدن مأهولة، وتندد بـ”الاستفزازات الإيرانية”، وتوزع المواقف كما توزع صكوك الغفران على مجرمي الحروب في أوروبا الشرقية.
أما العالم، فيشرب من هذا الجنون بعيون باردة. الأسواق ترتجف، لكن ليس خوفا على الأطفال المحترقين تحت القصف، بل خوفا على سعر برميل النفط. العواصم الغربية تحذر من “التصعيد”، لا لأنها حريصة على السلام، بل لأنها تخشى انفلات زمام السيطرة في لعبة كانت تظن أنها تتحكم فيها من بعيد. ومن خلف كل هذا المشهد، تطلّ شركات السلاح بابتسامة جشعة، فالحرب دائماً موسم للحصاد المالي، وكلما اشتد النزاع، ازدهرت أرصدة بارونات الدم.
ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن المسار التاريخي الذي تم فيه تدمير كل إمكانيات الوحدة والسيادة في المنطقة. من العراق إلى سوريا، ومن ليبيا إلى اليمن، تم تفكيك النسيج الوطني، وخلق كيانات زائفة، وحقن الطائفية والمذهبية كسلاح استراتيجي لتفجير المجتمعات من الداخل. واليوم، تؤتي هذه الاستراتيجية ثمارها، إذ لا أحد يستطيع إيقاف النزيف، لأن الأرض نفسها قد تم تفخيخها بالانقسامات والأحقاد والخوف من الآخر. كلما أطلقت إيران صاروخًا، أو ردت إسرائيل بغارة، يرتجف الشرق الأوسط كأنه يحتضر تحت وطأة نظام عالمي لا يؤمن إلا بالقوة ولا يعرف إلا منطق السوق.
إنها لحظة مرعبة، لكنها كاشفة. كاشفة لتواطؤ الأنظمة، ولصمت النخب، ولعجز الأمم المتحدة، ولخيانة الضمير العالمي. لكنها أيضا لحظة يجب أن تطرح فيها الشعوب أسئلتها الكبرى: لماذا تحكمنا قوى تابعة لا تملك قرارها؟ لماذا لا نملك أدوات الردع ولا أدوات التعبير؟ لماذا يتحول دمنا إلى وقود في معارك الآخرين؟ في زمن يُدار فيه العالم من مقرات الشركات الكبرى ومصالح المجمع الصناعي العسكري، لم يعد للسيادة معنى، ولا للسلام وجود، إلا في نشرات الأخبار الكاذبة. وحدها الشعوب، حين تنهض، قادرة على أن تغيّر هذا المصير.
وحتى يحين زمن النهوض، ستظل صواريخ إسرائيل تنهش أجساد الأبرياء، وستظل طائرات إيران تتوعد بالمزيد، وسينتظر العالم – بكل بروده وجبنه – المشهد الأخير من هذا الجحيم الموعود.

