بقلم: محمد طلحة
في سياق يتزايد فيه النقاش حول نجاعة تدبير الشأن المحلي وحدود استقلالية الجماعات الترابية، يقدم هذا المقال قراءة تحليلية في ميزانيات المجالس المنتخبة بإقليم فجيج، اعتمادا على المعطيات الرسمية المعلنة، ومن زاوية المواطن، بهدف مساءلة توزيع الموارد العمومية وأثرها الفعلي على التنمية المحلية، بعيدا عن التبرير التقني أو الخطاب السياسي الجاهز.
تعريف الجماعات الترابية:
الجماعات الترابية هي الإطار المؤسساتي الذي اختاره الدستور لتدبير الشأن المحلي، عبر مجالس منتخبة تتوفر على استقلال إداري ومالي نسبي، وتمارس اختصاصات تهدف أساسا إلى الاستجابة لحاجيات الساكنة المحلية والمساهمة في التنمية، في حدود ما يسمح به الإطار القانوني والإمكانات
الاختصاصات :
تمارس الجماعات الترابية اختصاصات متعددة يمكن تصنيفها إلى اختصاصات ذاتية، واختصاصات مشتركة مع الدولة، وأخرى منقولة إليها، وتشمل أساسا تدبير المرافق والخدمات المحلية، وتأهيل المجال الترابي، ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والقيام بدور القرب في تلبية الحاجيات اليومية للمواطنين، وذلك في حدود الإمكانيات المالية والبشرية المتاحة لها.
الميزانية :
تعد الميزانية الوثيقة الأساسية في تدبير الشأن المحلي، إذ تعكس بشكل ملموس اختيارات الجماعة وأولوياتها، وتحول البرامج والتعهدات إلى أرقام واعتمادات قابلة للتنفيذ. وتنقسم الميزانية إلى شقين رئيسيين: قسم التسيير، الذي يهم النفقات والمداخيل المرتبطة بسير المرافق والخدمات اليومية وضمان استمراريتها، وقسم التجهيز، الذي يخص الاستثمارات والمشاريع الموجهة لتحسين البنية التحتية وتأهيل المجال الترابي. ولا تكتسي الميزانية أهميتها فقط من كونها أداة مالية، بل باعتبارها مرآة حقيقية لمدى توجيه الموارد العمومية لخدمة المواطن وتحقيق التنمية المحلية.
الحق في المعلومة وميزانية المواطن:
يشكل قانون الحق في الحصول على المعلومات رقم 31.13 إحدى الأدوات الأساسية لتعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، إذ يلزم الإدارات العمومية، ومن ضمنها الجماعات الترابية، بتمكين المواطن من الولوج إلى المعلومة باعتبارها حقا أصيلا لا امتيازا. ولا يقتصر هذا القانون على الاستجابة لطلبات الحصول على المعلومات فقط، بل يكرس مبدأ النشر الاستباقي، الذي يفرض على الجماعات نشر المعطيات الأساسية المرتبطة بتدبيرها المالي والإداري، وفي مقدمتها الميزانية. وفي هذا الإطار تبرز (ميزانية المواطن) كوثيقة مبسطة تهدف إلى تقريب الأرقام والاختيارات المالية من عموم المواطنين، بما يسمح بفهم أفضل لكيفية صرف المال العام، ويحول الميزانية من وثيقة تقنية مغلقة إلى أداة للتواصل والمساءلة والمشاركة المواطنة.
اختلاف زاوية قراءة الميزانية:
ينظر المسؤول، سواء كان منتخبا أو تقنيا، إلى الميزانية من زاوية محاسباتية صرفة، تقاس فيها النجاعة بحجم الميزانية العامة، وبسلامة التبويب التقني للمداخيل والمصاريف، مع تعداد المنجزات كما ترد في الوثائق الرسمية، كيفما كانت طبيعتها. في المقابل، يتعامل المواطن مع الميزانية بمنطق براغماتي مباشر، إذ لا تعنيه التبريرات التقنية ولا التصنيفات المحاسباتية، بقدر ما يهمه أثر الميزانية على حياته اليومية، من خلال ما يلمسه فعليا على أرض الواقع: الماء، الكهرباء، البنية التحتية، التعليم، الصحة، والتنقل. ورغم أن بعض المصاريف غير المرئية قد تؤثر عليه بشكل غير مباشر على المستوى الماكرو اقتصادي، فإن المواطن يظل محقا في قراءته، خاصة عندما يلتهم التسيير اليومي لمقر الجماعة وأطرها حصة الأسد من الميزانية، على حساب الاعتمادات الموجهة لخدمته المباشرة. ومن هذا المنطلق، حاولنا في مقالات سابقة حول الجماعات الترابية بإقليم فجيج التركيز على المصاريف المعلنة المرتبطة بالمواطن، باعتبارها المعيار الحقيقي لنجاعة التدبير المحلي.
مصاريف المجالس المنتخبة بإقليم فجيج:
بلغت المصاريف المعلنة للجماعات الترابية بإقليم فجيج، وعددها 13 جماعة، ما يقارب 50 مليون درهم. وبطبيعة الحال، لا نتحدث هنا عن مجموع الميزانيات المصادق عليها، بل عن المصاريف المعلنة رسميا والتي لها ارتباط مباشر أو شبه مباشر بالمواطن، انسجاما مع المنهجية المعتمدة في هذا المقال. ورغم ذلك، تم في بعض الحالات تجاوز هذا الإطار المنهجي ، باعتبار أن بعض النفقات، مثل الكازوال، وأدوات المكتب، والدراسات، تمس المواطن بشكل غير مباشر ولا يمكن فصلها كليا عن جودة الخدمة العمومية. وفي السياق نفسه، بلغت مصاريف المجلس الإقليمي حوالي 12,3 مليون درهم. غير أن المفارقة اللافتة، والتي تطرح أكثر من علامة استفهام حول منطق التسيير المحلي، تتمثل في أن مجلس الجهة والوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع صرفا أزيد من 90 مليون درهم، أي ما يناهز ضعف ما صرفته الجماعات الترابية والمجلس الإقليمي مجتمعين. وبذلك، فإن مجموع مصاريف المجالس المنتخبة، إلى جانب مجلس الجهة، بإقليم فجيج يتجاوز 161,5 مليون درهم، وهو رقم دال يفتح نقاشا جديا حول نجاعة توزيع الموارد العمومية. كما يطرح هذا الوضع نقاشا سياسيا ومؤسساتيا عميقا حول التمثيلية الانتخابية على المستوى الجهوي وعلاقتها بالتمثيليات المحلية، خاصة عندما يتحول الخلاف السياسي أو الحزبي بين المسيرين المحليين والجهويين إلى عامل ضغط يجعل الجماعة المحلية في وضعية مأزق حقيقي.
قراءة نقدية في الأرقام:
تكشف هذه الأرقام أن معدل المصاريف الموجهة لكل مواطن من طرف المجالس المحلية لا يتجاوز 357 درهما سنويا للفرد، وهو رقم يكتسي دلالة خاصة حين يقاس بحجم الحاجيات والانتظارات المحلية. ومع إضافة مصاريف مجلس الجهة والوكالة الجهوية لإنجاز المشاريع، يرتفع هذا المعدل إلى حوالي 1156 درهما للفرد سنويا. غير أن هذا المعدل العام يخفي تفاوتات واضحة بين الجماعات داخل الإقليم نفسه، وهو ما يطرح بقوة إشكالية العدالة المجالية. فإذا كان هذا المفهوم يستعمل عادة في الخطاب السياسي لإبراز الفوارق بين الجهات والأقاليم، فإن هذه المعطيات تكشف عن فشل في تحقيق العدالة المجالية داخل الإقليم ذاته، وهو ما يمكن تسميته بالعدالة المجالية المركبة، حيث تتداخل الاختلالات بين المستويات الترابية المختلفة. ومن منظور عام، تعكس هذه الأرقام محدودية واضحة في القدرة التنموية، وتطرح تساؤلات جدية حول مدى نجاعة النموذج الحالي وإمكانية تحقيق تنمية محلية فعلية في ظل هذه المستويات من الإنفاق.
إشكالية الموظفين وعلاقتها بالإدارة المركزية:
في مقال سابق، توقفنا عند مصاريف الموظفين الرسميين بالجماعات الترابية، ووقفنا على حجم الاعتمادات المرصودة لهم، لنخلص إلى وجود خلل بنيوي في مكان ما، سواء على مستوى تضخيم الكتلة الأجرية على الورق، أو على مستوى العدد الكبير للموظفين داخل عدد من الجماعات، بما يفوق حاجياتها الفعلية من الموارد البشرية. وإذا استبعدنا فرضية الاختلالات التدبيرية، فإن الاستنتاج الوحيد الممكن هو أن الدولة تتعامل مع الجماعات الترابية كوعاء واسع لامتصاص جزء من مشكل البطالة، مع تحميل كلفة الأجور والتعويضات لميزانيات جماعية هزيلة، حيث تلتهم هذه الكتلة في غالب الجماعات أكثر من 70 في المئة من الميزانية. وتظهر المفارقة بشكل أوضح حين نجد قطاعا وزاريا واحدا على مستوى الإقليم يدار من طرف عشرة موظفين فقط، بميزانية تعادل أو تفوق ميزانية جميع المجالس المنتخبة بالإقليم، في مقابل جماعة ترابية واحدة، مثل جماعة بني كيل، تضم ستة عشر موظفا، إضافة إلى المنتخبين والمتعاقدين والعرضيين، من أجل ميزانية لا تشكل حتى عشر ميزانية ذلك القطاع الوزاري. وهي اختلالات بنيوية عميقة، تستدعي وقفة جادة وإرادة سياسية حقيقية، ليس فقط من أجل إصلاح منظومة التدبير المحلي، بل أيضا من أجل استرجاع ثقة المواطن في جدوى المجالس المنتخبة وفي العملية الانتخابية برمتها.
الخلاصة
تظهر المعطيات الرقمية المعروضة في هذا المقال أن الإشكال في تدبير الشأن المحلي بإقليم فجيج نموذجا لا يرتبط فقط بحجم الموارد، بل أساسا بكيفية توزيعها وأولويات صرفها. فبين ميزانيات تستهلك في التسيير اليومي، وكتلة أجرية تثقل كاهل الجماعات، واعتمادات محدودة تصل فعليا إلى المواطن، تتراجع القدرة التنموية للمجالس المنتخبة إلى مستويات تطرح سؤال الجدوى. كما تكشف الفوارق داخل الإقليم نفسه عن اختلال في العدالة المجالية، ليس فقط بين الجهات، بل داخل المجال الترابي الواحد، في ما سميناه بالعدالة المجالية المركبة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح من المشروع التساؤل حول الدور الحقيقي لهذه المجالس، وحول مدى قدرتها على ترجمة التمثيلية الانتخابية إلى أثر ملموس في حياة المواطن. إن إعادة بناء الثقة لا يمكن أن تتم عبر الخطاب السياسي أو تبرير الأرقام تقنيا، بل عبر إصلاح بنيوي يربط بين الاختصاصات، والموارد، والنتائج، ويجعل من الميزانية أداة للتنمية لا مجرد وثيقة محاسباتية، ومن المشاركة الانتخابية وسيلة للتغيير لا غاية في حد ذاتها.

