الحسيمة وموسم الصيف.. عندما تكشف حرارة الصيف برودة المؤسسات وعجز التدبير المحلي

مع اقتراب كل موسم صيف، يتكرر المشهد نفسه بمدينة الحسيمة بشكل يكاد يكون نسخة طبق الأصل من السنوات السابقة. تتحرك المؤسسات المنتخبة والجماعات الترابية وبعض المصالح الإدارية في سباق متأخر مع الزمن، وكأن تدفق آلاف الزوار على المدينة حدث مفاجئ لم يكن متوقعا. ويتم اللجوء إلى حملات تجميل ظرفية وإصلاحات استعجالية محدودة لا تعكس وجود رؤية استراتيجية أو تخطيط مؤسساتي قادر على مواكبة التحولات التي تعرفها المدينة خلال فصل الصيف.

إن ما تعيشه الحسيمة لا يعكس فقط اختلالات تقنية في التدبير، بل يكشف عن أزمة حقيقية في الحكامة المحلية وعجز مزمن في التخطيط الاستباقي لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات المعنية. فبدل العمل طيلة السنة على إعداد البنيات التحتية وتأهيل المرافق العمومية وتحسين الخدمات الأساسية، يتم انتظار الأسابيع الأخيرة قبل حلول الصيف لإطلاق أوراش متسرعة لا تتجاوز في كثير من الأحيان حدود تلميع الصورة وإخفاء مظاهر الخلل مؤقتا.

إن الجماعات الترابية التي تتحمل المسؤولية المباشرة في تدبير الشأن المحلي مطالبة اليوم بتقديم حصيلة واضحة أمام المواطنين، بدل الاستمرار في تبرير الأعطاب المتكررة وربطها بعوامل خارجية أو بإكراهات مالية أصبحت شماعة جاهزة لتبرير الفشل. فمشاكل النظافة، وتدهور بعض المرافق العمومية، وضعف الإنارة، وغياب الصيانة الدورية للفضاءات الخضراء، ليست مشاكل موسمية، بل هي نتيجة مباشرة لغياب رؤية تنموية متكاملة ولضعف آليات التتبع والمحاسبة.

كما أن السلطات المحلية مطالبة بالانتقال من منطق التدبير المناسباتي إلى منطق التدبير المؤسساتي المستدام. فالمواطن لا يحتاج إلى استعراضات موسمية أو حملات مؤقتة، بل يحتاج إلى إدارة فعالة تشتغل وفق برامج سنوية واضحة ومؤشرات دقيقة للإنجاز. إن استمرار المقاربة الظرفية في تدبير المدينة يعد هدراً للمال العام وإعادة إنتاج للأزمات نفسها سنة بعد أخرى، وهو ما يعكس غياب الإرادة السياسية الحقيقية لمعالجة جذور الاختلالات بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.

ومن بين أبرز المظاهر التي تكشف هشاشة هذا التدبير، الفوضى التي تعرفها بعض الشواطئ والفضاءات العمومية، والارتفاع غير المبرر للأسعار، والضغط الكبير على شبكات النقل والمرافق الأساسية. فكل هذه المشاكل أصبحت معروفة مسبقا، ومع ذلك تتكرر سنويا دون حلول جذرية. وهذا يطرح سؤالا مشروعا حول جدوى المجالس المنتخبة وأدوارها الحقيقية إذا كانت عاجزة عن استباق المشاكل التي تتكرر بالوتيرة نفسها منذ سنوات.

إن الحسيمة بما تمتلكه من مؤهلات طبيعية وسياحية ليست في حاجة إلى خطابات احتفالية أو شعارات دعائية، بل في حاجة إلى سياسات عمومية جريئة تضع حداً لمنطق الارتجال. كما أن أبناء المنطقة والجالية المغربية بالخارج يستحقون خدمات تليق بما يقدمونه من مساهمة اقتصادية واجتماعية للمدينة، وليس الاكتفاء باستقبال موسمي سرعان ما تنكشف محدوديته عند أول ضغط على المرافق العمومية.

أن التنمية الحقيقية بالحسيمة لن تتحقق ما دامت المؤسسات المنتخبة تشتغل بمنطق تدبير الأزمة بدل صناعة الحلول، وما دامت السلطات تتعامل مع موسم الصيف باعتباره حدثاً استثنائياً لا محطة عادية ينبغي الاستعداد لها ضمن مخطط سنوي دائم. فالمطلوب اليوم هو ربط المسؤولية بالمحاسبة، وإخضاع البرامج المحلية للتقييم العمومي، وإشراك الساكنة وهيئات المجتمع المدني في رسم أولويات التنمية ومراقبة تنفيذها.

إن الحسيمة تستحق أكثر من حملات موسمية عابرة، وأكثر من إصلاحات تجميلية مؤقتة. إنها تستحق مؤسسات قوية وفعالة، تستبق المشاكل بدل انتظار انفجارها، وتخدم المواطنين بدل الانشغال بإدارة الصورة. وما لم يتم القطع مع منطق الارتجال والتدبير المناسباتي، فإن كل موسم صيف سيبقى مناسبة جديدة لفضح أعطاب الحكامة المحلية وكشف الفجوة المتسعة بين الخطاب الرسمي وواقع المدينة الذي يعيشه المواطنون يوميا.

– أبوعلي بلمزيان.