في سياق منطقتنا تتنازع فيه الخطابات الدينية الطائفية المساحات الكبرى من الفضاء العام، يجد التيار العقلاني واليساري نفسه أمام امتحان مزدوج: من جهة، الدفاع عن الدولة المدنية وعن مبادئ التنوير، ومن جهة أخرى، دعم قوى تحررية أو مقاومة تحمل خطابا دينيا ـ وأحيانا طائفيا ـ في سوريا أو فلسطين أو اليمن، فكيف يمكن لليسار أن يبلور موقفا متماسكا، نقدياً، وغير انتقائي، دون أن يسقط في التناقض أو التبرير أو العزلة الجماهيرية؟.
حين يصبح نقد الطائفية انتقائيا
في سوريا، لم يكن صعبا على اليسار أن يدين عسكرة الثورة من قبل جماعات إسلامية متشددة، وأن ينتقد، عن حق، الطابع الطائفي لبعض فصائل المعارضة المسلحة. لكنه كثيراً ما صمت عن الطائفية التي تمأسست في قوى ” المقاومة ” بلبنان مثلا و رأيناه يدعم حركات مقاومة إسلامية في فلسطين أو اليمن، وإن تبنّت خطاباً دينياً مغلقاً أو طائفياً.
هذا التناقض لا يمرّ مرور الكرام على الوعي الشعبي. فحين ينتقد اليساريون الجولاني ، ويبررون في الوقت ذاته “أنصار الله” في صنعاء، أو “حماس” في غزة، فإن الجماهير تسأل: هل معياركم هو الطائفة أم المبادئ؟ أليس ما ترفضونه في مكان، تقبلونه في مكان آخر، فقط لأن العدو تغيّر؟.
مسؤولية الخطاب النقدي: نحو نسبية معيارية
لا يمكن للتيار العقلاني أن يكتفي بنقد الطائفية كشعار، دون أن يضع آليات دقيقة لقراءتها ضمن سياقاتها. فالتدين ليس هو المشكلة، بل التوظيف السياسي للدين الذي يُنتج سلطات شمولية أو جماعات مغلقة. وهنا يجب أن يكون الخطاب اليساري حذرًا: فرفض الإسلام السياسي في سوريا يجب أن يكون مبنيًا على رفض التسلط والاقصاء و الرجعية، وليس على عداء مبدئي للدين؛ تمامًا كما ينبغي دعم حركات المقاومة في فلسطين بناءً على مدى التزامها بأفق تحرري وشعبي، لا فقط على قاعدة أنها تقاوم الكيان الصهيوني.
بعبارة أخرى، ما يحتاجه اليسار هو تصور نسبي ومعياري: يتعامل مع جماعات الإسلام السياسي كواقع اجتماعي معقد، لا ككتلة واحدة شيطانية أو مقدسة. يفكك بنية الخطاب الديني الطائفي، لكنه يرفض أن يُختزل موقفه في أداة وظيفية تبرر الاستبداد و التخلف.
كيف يبني اليسار خطابًا غير متناقض؟
الفصل بين الموقف من الدين والموقف من الاستبداد و التخلف: يجب أن يكون واضحًا أن نقد الحركات الإسلامية لا يعني الاصطفاف مع الأنظمة القمعية المطبعة، ولا العكس. فالإسلاميون ليسوا بديلاً تلقائيًا عن الطغاة و النتخادلين.
إنتاج معرفة جديدة: يجب على التيار اليساري أن يطور أدواته المفاهيمية، وأن يخرج من ثنائية “المقاومة تُعفي من النقد”. المطلوب هو فكر سياسي جديد، قادر على رؤية التناقضات وتحليلها دون الوقوع في فخ الأحكام الجاهزة.
في الختام: نقد الذات شرط للعودة الجماهيرية
ارتباك الخطاب اليساري في التعامل مع حركات الإسلام السياسي، لا يُضعفه فقط فكريًا، بل يُعزله جماهيريًا. فحين تفقد الحركات اليسارية قدرتها على تقديم مواقف متسقة ومبدئية، فإنها تبتعد عن الناس، وتفقد رصيدها الأخلاقي والسياسي.
وحده نقد الذات، ومراجعة المفاهيم، وبناء خطاب بديل ـ جذري ومتزن في الآن نفسه ـ يمكن أن يعيد لليسار موقعه كقوة تغيير حقيقية، لا كظلٍ باهت لتحالفات عابرة.

