بلمزيان يكتب.. (حديث رمضان 23 ) إشكالية رؤية النبي لربه بين النص القرٱني والحديث: قراءة نقدية

أبوعلي بلمزيان

إن التناقض بين النص القرآني الذي ينفي إمكانية رؤية الله في الدنيا، كما جاء في قوله تعالى: “لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ” (الأنعام: 103)، وبين الحديث الذي يروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “رأيت ربي في صورة شاب أمرد…” (رواه الترمذي)، ليس مجرد تباين تأويلي بين نصين دينيين، بل هو انعكاس لصراع معرفي وسياسي عميق حول مفهوم الألوهية في الفكر الإسلامي. ففي حين يؤكد القرآن على استحالة إدراك الله بالحواس البشرية، مما يرسخ مفهوم التنزيه المطلق، يأتي الحديث ليقدم تصورًا حسياً لله، وهو ما يتعارض مع الأسس العقائدية التي رسخها النص القرآني.

لا يمكن لهذا التعارض قراءته بمعزل عن السياق التاريخي الذي تشكلت فيه المنظومة الحديثية. فالمرويات التي قدمت تصورات تجسيمية لله لم تكن نتاجًا لعقل ديني محايد، بل كانت انعكاسا لتحولات اجتماعية وسياسية شهدها المجتمع الإسلامي بعد وفاة النبي، حيث برزت اتجاهات فقهية وكلامية سعت إلى إعادة تشكيل العقيدة وفقًا لمنطق السلطة الدينية والاحتياجات الأيديولوجية للأنظمة الحاكمة. ومن هنا، فإن هذه الأحاديث التي تقدم الله في صور حسية تتناسب مع الذهنية السائدة في تلك الفترات، حيث كان التجسيد الإلهي سائدا في الثقافات الدينية القديمة، سواء في المعتقدات المسيحية حول “التجسد الإلهي” أو في التصورات الوثنية التي منحت الآلهة أشكالًا بشرية.

إن منهج التحليل النقدي المدعوم بالمادية التاريخية يسمح لنا بفهم أن هذا الحديث لم يكن مجرد نص روائي عابر، بل كان جزءا من منظومة فكرية حاولت ترسيخ تصورات معينة عن الله تتوافق مع مصالح القوى الفقهية المسيطرة. فالتنزيه المطلق لله، كما يظهر في النصوص القرآنية، يتناقض مع أي محاولة لتجسيده أو تصوره في هيئة بشرية، وهو ما يعني أن إدخال مثل هذه الروايات إلى الموروث الحديثي لم يكن مجرد تطور طبيعي، بل كان جزءا من عملية أيديولوجية تهدف إلى قولبة العقيدة وفق أهواء الطبقات الحاكمة التي احتاجت إلى دين موجه يخدم استقرار السلطة.

لن تكن إعادة إنتاج المفاهيم الدينية يومًا عملية بريئة، بل كانت دوما خاضعة لمنطق الصراع الاجتماعي والسياسي. فكما تم توظيف الدين في العصور الوسيطة لتبرير شرعية الحكم الوراثي والاستبداد السياسي، جرت محاولات لخلق تصورات محددة عن الله تتناسب مع مفهوم الطاعة المطلقة، مما جعل من بعض الأحاديث وسيلة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي بما يخدم مصلحة القوى الرجعية. ومن هنا، فإن محاولة فرض حديث كهذا، رغم تناقضه الصريح مع النص القرآني، لم يكن مجرد مسألة دينية بحتة، بل كان تعبيرًا عن رغبة القوى التقليدية في تكريس رؤية حسية لله تسهل عملية الضبط الاجتماعي، حيث يتم تصوير الله بصورة أقرب إلى الملوك المستبدين الذين يحتاجون إلى هيبة حسية لترسيخ سلطتهم.

وهنا، تتطلب استعادة روح القرآن تفكيك هذه المرويات التي لا تتوافق مع نصوصه الواضحة، وليس التعامل معها كمقدسات غير قابلة للنقاش. فالحديث الذي ينسب رؤية الله إلى النبي في صورة بشرية لا يمكن تبريره بأي تأويل منطقي إذا ما تمت مقارنته بالنص القرآني الذي يرفض فكرة الإدراك البصري لله بشكل قطعي. وهذا يفرض ضرورة إعادة قراءة الموروث الحديثي وفق منهجية نقدية جذرية تحرره من التأويلات التي أُقحمت فيه لأغراض سلطوية، وتحمي العقيدة من التشويهات التي فرضتها المؤسسة الفقهية التقليدية.

إن هذا التناقض ليس استثناء، بل هو جزء من منظومة أوسع تم فيها تكييف الأحاديث وفقا لمتطلبات المرحلة التاريخية التي تم تدوينها فيها، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول كيفية تشكّل الموروث الحديثي ومدى تعارضه في بعض الأحيان مع جوهر الخطاب القرآني. إن تفكيك هذه الروايات لا يعني فقط تحرير العقيدة من التشويه، بل يعني أيضا استعادة الوعي النقدي الذي حاولت المؤسسة الدينية طمسه عبر قرون من التلقين والتكرار. فكما جرت إعادة إنتاج الحديث لخدمة السلطة في الماضي، فإن استمرار التمسك بهذه الروايات اليوم هو مجرد إصرار على تكريس العقلية التقليدية التي ترفض أي قراءة نقدية للموروث، رغم وضوح التناقض بينه وبين النص القرآني.

فقد لا يعني نقد هذه التناقضات المساس بجوهر الدين، بل هو محاولة لاستعادته من براثن التأويلات السلطوية التي جعلت منه أداة للقمع بدلا من أن يكون وسيلة للتحرر الفكري. فكما قاوم الفكر النقدي عبر التاريخ محاولات السلطة لاحتكار الحقيقة، فإن مساءلة الموروث الحديثي اليوم هي ضرورة فكرية لا بد منها لكسر هيمنة التأويلات التي فرضتها القوى الظلامية، والتي لا تزال تصر على إبقاء الدين في قوالب جامدة تعزز منطق الطاعة العمياء بدلًا من تحفيز التفكير الحر.

الحسيمة في 24 مارس 2025، ⁠أبوعلي بلمزيان.