بلمزيان يكتب.. (حديث رمضان 23): الإسلام بين مبدأ التسامح ونزعة الفرض بالقوة

أبوعلي بلمزيان

إن العلاقة بين المسلمين وغيرهم كما يعكسها النص القرآني تقوم على مبدأ العدل والإحسان، إذ يؤكد القرآن بوضوح “لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ” (الممتحنة: 8)، وهو خطاب يرسّخ قاعدة التعامل السلمي مع غير المسلمين ما لم يبادروا بالعدوان. هذا النص، كسائر الآيات التي تؤكد على مبدأ “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” (البقرة: 256)، ينسجم مع رؤية شمولية تتجاوز الانغلاق الطائفي، وتؤسس لمنظومة تقوم على الحرية الدينية والتعايش المشترك، حيث يُعامل الآخر وفق مبدأ العدالة، لا وفق منطق الهيمنة أو الفرض القسري.

لكن في المقابل، نجد حديثا منسوبا للنبي يقول “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله…” (رواه البخاري ومسلم)، وهو نص يبدو وكأنه يتناقض مع المبادئ القرآنية التي تؤكد عدم الإكراه في الدين، ويدفع إلى تصور الإسلام كدين يقوم على فرض العقيدة بالقوة، وهو ما يتعارض مع جوهر الرسالة التي جاءت لتحرير الإنسان لا لإخضاعه.

إن قراءة هذا التناقض في ضوء المادية التاريخية تكشف عن أن انتشار الإسلام لم يكن محكومًا بنصوص ثابتة بقدر ما كان نتاجًا لتحولات سياسية فرضت نفسها على الخطاب الديني. فالمرحلة التأسيسية التي شهدت انطلاق الرسالة في مكة قامت على الدعوة السلمية والتعايش، وهو ما تعكسه الآيات القرآنية الداعية إلى البر والقسط، أما في الفترات اللاحقة، وخصوصًا بعد تشكّل الدولة الإسلامية وتوسعها العسكري، فقد برزت حاجة السلطة إلى تبرير الفتوحات وإضفاء شرعية دينية على الحروب التوسعية، مما أفرز أحاديث مثل هذا الحديث الذي يشرعن القتال باسم العقيدة.

إن وجود مثل هذه الروايات في المدونة الحديثية ليس مجرد صدفة، بل هو نتاج صراعات سياسية حاولت إعادة تشكيل الإسلام في صورة أيديولوجية تخدم التوسع الإمبراطوري. فالدولة الأموية، التي قامت على أنقاض الخلافة الراشدة، وجدت في هذا النوع من الأحاديث وسيلة لتبرير سياسات الغزو والاستعمار، مما أدى إلى إنتاج سرديات دينية تتماشى مع الضرورات العسكرية. وهكذا، تحوّلت بعض مفاهيم الدين من دعوة أخلاقية إلى أداة سيطرة، حيث جُعل القتال مبدأً عامًا، رغم أن النص القرآني الأصلي كان يربطه فقط بحالات الدفاع المشروع ضد العدوان.

لقد قام الخطاب السلطوي الذي تشكل خلال العصور الإسلامية الوسطى، قام بإعادة تفسير النصوص الدينية لخدمة مشروع سياسي يهدف إلى إخضاع الشعوب، فتم تكريس أحاديث تدعو إلى الحرب المستمرة، في حين أن الواقع التاريخي يشير إلى أن معظم الشعوب التي دخلت الإسلام لم تفعل ذلك بالسيف، بل عبر عمليات تبادل ثقافي وتفاعل اجتماعي امتد لقرون. وهنا يتضح أن النصوص التي تدعو إلى “قتال الناس” لم تكن سوى انعكاس لمصالح القوى الحاكمة، وليست تعبيرًا عن روح الإسلام التي يعكسها القرآن.

وهكذا تفرض قراءة نقدية متحررة من القيود الأيديولوجية، تفرض علينا إعادة النظر في كل رواية تتناقض مع القيم القرآنية الجوهرية، خصوصًا إذا كانت تخدم نزعات قمعية. فليس من المعقول أن ينهى القرآن عن العدوان ثم تأتي روايات تجعله قاعدة للتعامل مع الآخر. إن هذه التناقضات ليست مجرد فجوات نصية، بل هي مؤشرات على محاولات تطويع الدين لخدمة أغراض توسعية، وهي المحاولات التي ما زالت مستمرة اليوم في خطاب القوى الظلامية التي تحاول شرعنة العنف باسم العقيدة.

إن إعادة بناء الوعي الديني تتطلب التخلص من القراءة التقليدية التي تأخذ كل ما في المدونة الحديثية على أنه وحي، وإعادة الاعتبار للنص القرآني باعتباره المرجع الأول والأخير. إن الإسلام، كما يعكسه القرآن، لا يقوم على الإكراه، بل على الإقناع والحوار، وما دون ذلك ليس سوى إسقاطات أيديولوجية صنعتها ظروف سياسية محددة، ولا ينبغي لها أن تكون أساسًا في فهم الدين اليوم. إن اليسار الراديكالي، في سعيه إلى تحرير الإنسان من كل أشكال الهيمنة، يجد في هذا النقد ضرورة تاريخية لكشف كيف تم توظيف الدين لإعادة إنتاج أنظمة السيطرة، ومن هنا تأتي الحاجة إلى تفكيك هذه الأحاديث وإعادة قراءة النصوص بعيدًا عن الهيمنة السلطوية التي شوهت جوهر الإسلام.

– الحسيمة في 25 مارس 2025.
– أبوعلي بلمزيان.