بلمزيان يكتب.. (حديث رمضان 27): إشكالية التفاضل بين الأنبياء: بين المساواة القرآنية والتفوق الحديثي

أبوعلي بلمزيان

ما يظهر من خلال المقارنة بين النص القرآني والحديث النبوي هو مفارقة فكرية تستوجب قراءة نقدية دقيقة، لأنها تعكس التوتر القائم بين مبدأ المساواة بين الأنبياء كما ورد في القرآن، وفكرة التفاضل بينهم كما ورد في الحديث. فالنص القرآني يصرّح بوضوح: “لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ” (البقرة: 285)، مما يدل على نفي أي تمييز بين الأنبياء، واعتبارهم جميعًا في مرتبة واحدة من حيث المكانة والرسالة. هذا الموقف يتماشى مع منطق العدالة الإلهية الشاملة التي لا تميز بين رسلها، بل تقدمهم جميعًا على أنهم أدوات لنقل الهداية إلى البشر دون تفضيل بعضهم على بعض.

لكن في المقابل، نجد الحديث النبوي الذي ينسب إلى النبي قوله: “أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر” (رواه مسلم)، وهو نص يقرر تفوقًا واضحًا للنبي محمد على غيره من الأنبياء، مما يعيد طرح السؤال عن مدى انسجام هذا الطرح مع المبدأ القرآني. هذه المفارقة لا يمكن التغاضي عنها بسهولة، إذ أنها تعكس صراعًا داخليًا داخل الخطاب الديني بين نزعة التوحيد والمساواة من جهة، والنزعة التراتبية التي تضع بعض الأنبياء في مرتبة أعلى من غيرهم من جهة أخرى.

هذه الإشكالية تعكس طبيعة البناء المعرفي للنصوص الدينية، حيث نجد أن الخطاب القرآني في سياقه العام يميل إلى تكريس مبدأ الوحدة بين الأنبياء، كما في قوله تعالى: “قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ” (آل عمران: 7)، بينما نجد أن الحديث النبوي، الذي ظهر في سياقات اجتماعية وتاريخية لاحقة، يميل إلى إعطاء النبي محمد مكانة خاصة تميّزه عن باقي الرسل. هذه المفارقة ليست عشوائية، بل يمكن تفسيرها وفق منهج التحليل النقدي من منظور المادية التاريخية، حيث أن كل خطاب ديني يخضع لمنطق التطور الاجتماعي والسياسي الذي أنتجه.

في المرحلة المبكرة من الدعوة الإسلامية، كان من الضروري التأكيد على وحدة الرسالات السماوية لمواجهة العداء الذي كانت تواجهه الجماعة الناشئة من قبل أتباع الديانات الأخرى، ولهذا نجد التركيز في القرآن على عدم التمييز بين الأنبياء، بهدف إبراز الإسلام كامتداد طبيعي للرسالات السابقة. لكن مع تطور الجماعة الإسلامية وتحولها إلى كيان سياسي قوي، بدأت الحاجة إلى تكريس رمزية النبي محمد كقائد روحي فريد، خاصة بعد أن أصبحت السلطة الدينية مرتبطة بشخصه. في هذا السياق، ظهر الحديث الذي يعزز فكرة تفوقه على غيره من الأنبياء، وهو ما يخدم تأسيس سلطة مركزية قوية تستند إلى مكانة النبي الفريدة، بدلًا من كونه مجرد رسول ضمن سلسلة الرسل.

هذا التحول يمكن قراءته ضمن منطق تطور الأيديولوجيات الدينية، حيث أن كل منظومة دينية تسعى إلى تكريس سردية خاصة بها تميزها عن غيرها. وكما أشار المفكر عبد الله العروي، فإن “النصوص لا تُقرأ في فراغ، بل تخضع لحتميات التاريخ وإكراهات الواقع”، وهو ما ينطبق تمامًا على هذه المسألة. فالمسألة ليست مجرد اختلاف بين نصين، بل هي تعبير عن مسار فكري يتأرجح بين مبدأ المساواة ومبدأ التفاضل، بحسب ما تفرضه الحاجة السياسية والاجتماعية لكل مرحلة.

أما على المستوى الفلسفي، فقد طرحت هذه الإشكالية سؤالًا جوهريًا حول طبيعة النبوة نفسها: هل هي مجرد وظيفة لإيصال الرسالة، أم أنها تتطلب تمييزًا بين الأنبياء؟ المعتزلة، الذين حاولوا تقديم قراءة عقلانية للتراث الإسلامي، كانوا يميلون إلى التأكيد على وحدة الأنبياء في مقام الرسالة، مستندين إلى النص القرآني الذي لا يفرق بينهم. في المقابل، نجد أن التيار الأشعري، الذي نشأ في سياق دفاعي ضد النزعات العقلانية، مال إلى تكريس فكرة تفوق النبي محمد، مستندًا إلى النصوص الحديثية التي تعزز هذا الاتجاه.

ما يتضح هنا هو أن هذا التناقض ليس مجرد مسألة تفسيرية، بل هو جزء من صراع أعمق داخل الفكر الديني بين منطق الوحدة ومنطق التراتبية، بين النزعة العقلانية التي تسعى إلى قراءة الدين في سياق متماسك، والنزعة اللاهوتية التي تميل إلى تضخيم الرموز الدينية لأغراض سياسية وسلطوية. في نهاية المطاف، لا يمكن اعتبار هذا التناقض مجرد اختلاف لفظي، بل هو تعبير عن طبيعة تطور الخطاب الديني نفسه، الذي لم يكن يومًا نصًا ثابتًا، بل هو فضاء مفتوح للصراع والتأويل وإعادة الإنتاج المستمرة.

– الحسيمة في 28 مارس 2025.

– أبوعلي بلمزيان.