بلمزيان يكتب ..حديث رمضان 4: الإيمان بين حرية الاقتناع وقمع السلطة: تفكيك التناقض بين القرآن والحديث.

أبوعلي بلمزيان

ينبغي أن نبدأ بتحليل هذه الإشكالية من منطلق الصراع بين العقلانية والسلطة الدينية، بين النص القرآني الذي ينطوي على نزعة تحررية ترفض الإكراه، وبين منظومة الحديث التي جرى توظيفها لترسيخ استبداد فقهي يتناقض مع روح التحرر. إن الآية “لا إكراه في الدين” (البقرة: 256) تحمل في جوهرها نفيًا قاطعًا لأي قسر عقائدي، مؤكدة أن الإيمان فعل حر، نابع من القناعة الفردية، بعيدًا عن أي ضغط أو تهديد. غير أن هذا المبدأ الأساسي تمت مصادرته لاحقًا عبر شبكة من الأحاديث التي تم توظيفها كأدوات لقمع كل نزوع تحرري، ومن هذه الأحاديث: “من بدل دينه فاقتلوه” (رواه البخاري)، وحديث “لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث…” ومن بينها “التارك لدينه المفارق للجماعة” (رواه البخاري ومسلم).

هذان الحديثان، وغيرهما من النصوص التي تكرّس عقوبة القتل على المرتد، يقفان موقف النقيض من النص القرآني، إذ ينقلان العقيدة من فضاء القناعة الفردية إلى ساحة الإكراه والقمع المادي. هذا التناقض لا يمكن تفسيره إلا في سياق صراع السلطة وتأويل النصوص لخدمة التوجهات السلطوية، حيث تحول الإسلام من دعوة قائمة على الحرية إلى مؤسسة تفرض السيطرة من خلال سلاح التكفير وسوط العقوبات الجسدية. كان لا بد لهذا التناقض أن ينشأ في لحظة تاريخية معينة، حينما انتقل المشروع الإسلامي من كونه خطابًا قائمًا على الدعوة والمجادلة بالحسنى إلى أداة لبسط النفوذ السياسي وتأبيد سلطة الطبقة الحاكمة عبر ترسانة من الفتاوى والقوانين التي تضمن لها استمراريتها.

إن الحديث عن قتل المرتد لم يكن سوى خطوة أخرى في مشروع الاستبداد الفقهي، إذ إنه يجعل من العقيدة قيدًا مفروضًا، لا اختيارًا واعيًا، محوّلًا الدين إلى سجن روحي. هذا المنطق يعكس الحاجة الأيديولوجية إلى ضبط المجتمع داخل قوالب جاهزة، حيث يصبح أي خروج عن النسق السائد خيانة وجريمة تستوجب العقاب. بعبارة أخرى، لم يكن الهدف من هذه الأحاديث حماية الإيمان، بل ضمان الهيمنة السياسية، فالعقائد لا تُحمى بالسيف، بل تنهض بالحوار والاقتناع الحر.

ومن زاوية فلسفية، يتضح أن منطق الإكراه الديني هو الوجه الآخر لمنطق القهر الطبقي، فكما أن الاستبداد السياسي يسعى إلى إخضاع الجماهير عبر أجهزة القمع، فإن الاستبداد الديني يعمل على تكريس الطاعة من خلال بث الخوف من العقاب الأخروي والترهيب باسم المقدس. كلاهما يسعى إلى تجريد الإنسان من وعيه النقدي، وتحويله إلى كائن مستلب، محكوم بالخضوع والإذعان. في هذا السياق، يصبح حديث قتل المرتد تعبيرًا عن الذهنية القمعية التي لا ترى في الإنسان كائنًا حرًا، بل تعتبره ملكية جماعية لا يحق له تقرير مصيره الفكري.

إن النص القرآني حينما يقرر “لا إكراه في الدين”، فهو يطرح تصورًا جذريًا يعترف بالحق المطلق في الاختيار، وهو بذلك يلتقي مع المبادئ التحررية التي تحارب كل أشكال الإكراه، سواء باسم الدين أو باسم الدولة. أما الأحاديث التي تحرض على القتل، فهي نتاج لمرحلة التوظيف السلطوي للدين، حيث لم يعد النص المقدس معيارًا، بل أصبح التأويل الانتقائي أداة بيد القوى الرجعية لترسيخ نفوذها. وعليه، فإن أي قراءة نقدية لهذا التناقض يجب أن تتجاوز السجال الفقهي التقليدي إلى تحليل البنية السلطوية التي أنتجت هذا الخطاب، وفضح آليات الهيمنة التي جعلت من الإيمان مسألة بوليسية بدلًا من كونه تجربة روحية حرة.

إن المواجهة الحقيقية لهذا التناقض لا تكون في مجرد محاولات التلفيق والتوفيق القسري بين النصوص، بل في استعادة النزعة العقلانية التحررية التي تجعل الإنسان مركزًا للوجود، وتعيد الاعتبار للكرامة الإنسانية في مواجهة كل محاولات المصادرة والقهر. فلا يمكن بناء مجتمع حرّ إلا بكسر القيود الفكرية التي فرضها التحالف بين رجال الدين ورجال السلطة، وإعادة الاعتبار للنقد الجذري لكل النصوص والممارسات التي تعيد إنتاج الاستبداد باسم المقدس.
•⁠ ⁠الحسيمة 5 مارس 2025.
•⁠ ⁠أبوعلي بلمزيان.