بني تدجيت بين ثروات باطن الأرض وتهميش الإنسان: من يتحمل مسؤولية الإقصاء المجالي؟

 

بني تدجيت.. بلدة غنية بثرواتها، فقيرة في نصيبها من التنمية
حين نتحدث عن بني تدجيت بإقليم فجيج، فإننا لا نتحدث فقط عن بلدة تعاني من بعض النقائص في الخدمات أو البنيات التحتية، وإنما عن مجال ترابي يعاني منذ سنوات من اختلالات تنموية ومجالية متراكمة جعلت الساكنة تشعر بأن حقها في التنمية والعيش الكريم لا يحظى بالأولوية التي يستحقها.
والأكثر إثارة للاستغراب أن بني تدجيت تقع في منطقة تزخر بمؤهلات وثروات طبيعية ومعدنية مهمة، من بينها الرصاص والزنك والبارتين وغيرها من المعادن، ومع ذلك لا تزال الساكنة تواجه البطالة، وضعف الخدمات الصحية، وهشاشة البنية التحتية، وغياب الفضاءات الخضراء، وضعف فرص الاستثمار، وغيرها من مظاهر التهميش.
فكيف يمكن تفسير هذه المفارقة؟

أولاً: تقسيم إداري يزيد من العزلة،

من أبرز الإشكالات التي تعاني منها بني تدجيت الوضعية الإدارية والمجالية التي تجعلها بعيدة عن مراكز القرار والخدمات.
فبعد البلدة عن مقر العمالة بحوالي 200 كلم، وبعدها عن مركز الجهة بحوالي 500 كلم، لا يمكن اعتباره مجرد مسألة جغرافية، لأن المسافة تتحول في الواقع إلى كلفة اجتماعية واقتصادية وإدارية تتحملها الساكنة يومياً.
فالمواطن/ة الذي يحتاج إلى خدمة أو وثيقة أو علاج أو إجراء إداري يجد نفسه مضطراً إلى قطع مسافات طويلة، وهو ما يزيد معاناة كبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة والمرضى والنساء والأسر محدودة الدخل.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في التقسيم الإداري والمجالي بما يحقق العدالة المجالية وتقريب الإدارة والخدمات من المواطنين، وليس فقط الإبقاء على واقع يزيد من عزلة المنطقة.

ثانياً: ثروة معدنية كبيرة مقابل بطالة متفاقمة

من أكثر المفارقات إيلاماً أن المنطقة تزخر بالثروات المعدنية، بينما يعاني شباب وشابات بني تدجيت من البطالة، بمن فيهم/ن حاملو وحاملات الشهادات العليا.
فإذا كانت المنطقة تتوفر على مؤهلات معدنية واقتصادية، فلماذا لا تتحول هذه المؤهلات إلى فرص حقيقية للشغل والاستثمار لفائدة أبناء وبنات المنطقة؟
إن المطلوب ليس فقط استخراج الثروات، وإنما التفكير في الأثر الاقتصادي والاجتماعي المحلي للثروة، عبر تشجيع الاستثمار المنتج، وتكوين الشباب/ات، وإعطاء الأولوية لأبناء وبنات المنطقة في فرص العمل، وخلق مشاريع مرتبطة بالموارد المحلية.
الثروة الطبيعية ينبغي أن تكون مدخلاً للتنمية، لا أن تبقى مجرد أرقام أو موارد تستفيد منها جهات أخرى بينما تظل الساكنة تواجه البطالة والهشاشة.

ثالثاً: الصحة.. معاناة لا تحتمل التأجيل

الوضع الصحي ببني تدجيت يطرح بدوره علامات استفهام كبيرة.
فالبعد عن المؤسسات الاستشفائية والتخصصية، وضعف الخدمات الصحية، يجعل المرضى أمام رحلة شاقة بحثاً عن العلاج.
وهنا تصبح المسألة أكثر خطورة بالنسبة إلى الأشخاص ذوي الإعاقة، والمرضى المزمنين، وكبار السن، والنساء الحوامل، والأطفال.
الصحة ليست امتيازاً، وإنما حق أساسي، ولا يمكن الحديث عن العدالة المجالية في ظل وجود مناطق يضطر سكانها إلى قطع مسافات طويلة من أجل الحصول على خدمات صحية أساسية أو متخصصة.

رابعاً: التعليم.. الاستثمار الغائب في مستقبل المنطقة لا يمكن بناء تنمية حقيقية دون تعليم جيد .

لكن واقع التعليم ببني تدجيت يحتاج إلى مزيد من الاهتمام، سواء على مستوى البنيات والتجهيزات أو الموارد والبرامج الداعمة للمتعلمين.
وإذا كان شباب/ات المنطقة يعاني اليوم من البطالة، فإن الحل لا يكمن فقط في انتظار فرص العمل، بل في بناء منظومة تعليم وتكوين مهني تستجيب لحاجيات المنطقة ومؤهلاتها الاقتصادية.
فالمعادن، والفلاحة، والسياحة الجبلية، والطاقات المتجددة، والخدمات، وغيرها من القطاعات، يمكن أن تشكل مجالات لتكوين الشباب وخلق فرص اقتصادية حقيقية.

خامساً: هشاشة البنية التحتية

لا تزال بني تدجيت تواجه مشاكل مرتبطة بالبنية التحتية، من بينها:
هشاشة عدد من الطرق والمسالك.
الحاجة إلى تحسين الربط بالمناطق المجاورة.
ضعف أو غياب الإنارة العمومية في عدد من أزقة البلدة.
الحاجة إلى تحسين المرافق العمومية.
غياب فضاءات خضراء وترفيهية مناسبة للسكان والأطفال والشباب.
والتنمية لا تقاس فقط بعدد المشاريع المعلنة، وإنما بمدى انعكاسها على الحياة اليومية للمواطن.

سادساً: غياب الفضاءات الخضراء والترفيهية

من حق أطفال وشباب بني تدجيت أن يجدوا فضاءات آمنة للرياضة والترفيه والاستراحة.
غياب المساحات الخضراء والحدائق والمرافق الترفيهية يجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال والشباب.
والفضاء العمومي ليس مجرد إسمنت وطرق؛ بل هو أيضاً حدائق، ملاعب، فضاءات ثقافية ورياضية، وأماكن للقاء والتواصل.

سابعاً: المخدرات.. خطر اجتماعي يحتاج إلى معالجة حقيقية.
من بين الظواهر التي تثير القلق لدى الساكنة انتشار ترويج المخدرات بشكل مقلق.

وهنا لا ينبغي التعامل مع الظاهرة فقط باعتبارها قضية أمنية، وإنما باعتبارها أيضاً قضية اجتماعية وتنموية ترتبط بالبطالة والفراغ وغياب الأنشطة الرياضية والثقافية وضعف التأطير.
وفي الوقت نفسه، فإن محاربة هذه الظاهرة يجب أن تتم وفق القانون، وبصرامة ومسؤولية، مع تعزيز الوقاية والتوعية وحماية الشباب والأطفال.

ثامناً: أين هو دور الفاعل الترابي؟

إن الحديث عن التنمية المحلية يفرض طرح سؤال أساسي:
ما هو حجم الاهتمام الحقيقي بالشأن المحلي وبانتظارات الساكنة؟
فالمجالس المنتخبة والفاعلون الترابيون مطالبون بالاستماع إلى المواطنين، وتحديد الأولويات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ووضع برامج واقعية قابلة للتنفيذ.
ولا يمكن أن تتحول التنمية إلى مجرد خطابات ومواسم انتخابية.
المواطن يريد أن يرى أثر السياسات العمومية في الطريق، والإنارة، والصحة، والتعليم، والشغل، والبيئة، والنقل، والمرافق العمومية.

تاسعاً: بني تدجيت تحتاج إلى رؤية تنموية متكاملة.

إن مشاكل بني تدجيت لا يمكن حلها بمشروع منفرد هنا أو إصلاح محدود هناك.
المنطقة تحتاج إلى رؤية تنموية متكاملة تقوم على:
العدالة المجالية + فك العزلة + خلق فرص الشغل + تطوير الصحة والتعليم + تثمين الثروات المعدنية + دعم الاستثمار + تحسين البنية التحتية + حماية البيئة + إشراك الساكنة في صناعة القرار.
كما ينبغي أن يكون للمجتمع المدني المحلي دور حقيقي في اقتراح المشاريع وتتبع تنفيذها وتقييم السياسات العمومية.
بني تدجيت ليست منطقة بلا مؤهلات
من الخطأ اختزال بني تدجيت في لائحة من المشاكل.
فهذه المنطقة تتوفر على ثروات معدنية، ومؤهلات بشرية، وموقع جغرافي، وطاقات شبابية، وموروث محلي يمكن أن يشكل أساساً لتنمية حقيقية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
لماذا لم تتحول هذه المؤهلات إلى تنمية يستفيد منها المواطن/ة؟
وهنا يجب الانتقال من مرحلة تشخيص المشاكل إلى مرحلة المساءلة والترافع واقتراح البدائل.
رسالة إلى المسؤولين:
إن ساكنة بني تدجيت لا تطالب بالمستحيل.
إنها تطالب بحقها في العدالة المجالية، والعيش الكريم، والصحة، والتعليم، والشغل، والبنية التحتية، والفضاءات العمومية، والأمن، والبيئة، والإدارة القريبة.
وتطالب بأن تكون ثروات المنطقة ومؤهلاتها رافعة لتنمية المنطقة وساكنتها.
فلا يعقل أن تكون الأرض غنية بما تحتها، بينما يعيش الإنسان فوقها الإقصاء والبطالة والهشاشة.
بني تدجيت ليست هامشاً جغرافياً، وساكنتها ليست مواطنين/ات من درجة ثانية.

إنصاف هذه البلدة يقتضي إرادة سياسية وتنموية حقيقية، وإعادة النظر في الاختلالات المجالية التي كرست العزلة، ووضع برنامج استعجالي ومتعدد السنوات للنهوض بها.
والرسالة الأهم هي:
نريد تنمية حقيقية لا وعوداً، وعدالة مجالية لا تهميشاً، ومشاركة للساكنة لا قرارات تُتخذ بعيداً عنها.
لقد آن الأوان لكي تتحول بني تدجيت من مجال يعاني من التهميش إلى قطب تنموي يستثمر مؤهلاته وثرواته لصالح أبنائه.
فالثروة الحقيقية ليست فقط ما يوجد تحت الأرض من رصاص وزنك وبارتين، وإنما الإنسان الموجود فوقها.

علي بلغود ابن البلدة .