بقلم: عبد الصمد بن شريف
صباح الخير غزلان أتمناك في أحسن الظروف والأحوال
أجزم أنك صحافية متمكنة، ملمة بتاريخ الصراع في منطقة الشرق الاوسط ومناطق أخرى. قارئة جيدة تتقن عددا من اللغات بما في ذلك العبرية . لك قدرة كبيرة على التحليل وفهم سياقات الأحداث وطبيعة الصراعات والنزاعات ودوافعها وأهدافها . براعتك في الحجاج والمقارعة الفكرية وتفوقك في الإقناع وتحييد الخصم بذكاءمسألة لاغبار عليها. اعتمادك مقاربة عقلانية ،ورؤية إنسانية وعقد المقارنات وتقدير حجم الجرائم المرتكبة في حق الشعب الفلسطيني، يشكل أحد مصادر قوتك وتميزك. فهي مقاربة تنتصر لسردية منطقية وبديهية لاتخضع لمقاصد الإيديولوجيا ومساعي وأحلام الصهيونية الدينية وانغلاق العقل الاسرائيلي وارتهانه لعملية تنميط ونمذجة جعلت من الفلسطيني عدوا وكائنا متوحشا وإرهابيا لا يؤتمن .ومن فلسطين أرضا تاريخية لإسرائيل وحق من حقوقها المملاة من السماء والمنصوص عليها في ما ترسخ من معتقدات وأساطير وخرافات وقراءات تؤول كل شيء وفق ما يخدم أهداف الكيان الصهيوني بما في ذلك توظيف الاركيولوجيا لنفس الغرض.
ماكتبته وأكتبه عنك صادر عن قناعة ومتابعة لمسارك. عرفتك طالبة ثم صحافية مثابرة وحالمة مسكونة بالشغف .اشتغلنا معا في القناة الثانية. انفتاحك على عوالم جديدة وثقافات مختلفة وارتيادك لآفاق حضارية وثقافية وروحية فسيحة لاحدود لها. و تعاطيك للقراءة والتفاعل والتثاقف والتواصل مع مرجعيات متنوعة واحيانا متناقضة. وتمكنك الجيد من عدة لغات ،كل هذا وفر لك مناعة فكرية وقدرة على التحاور والنقاش والخوض في القضايا الحساسة والمعقدة أحيانآ بما في ذللك المعتقدات . قرأت جزءا مهما مما سطرته أناملك باللغة الفرنسية وأيضا بالعربية. على امتداد سنوات خاصة ما له علاقة بفلسطين المحتلة. ومايتعرض له الكائن البشري هناك من تجريف واستئصال وإبادة وتجويع وإذلال. وقدرت كثيرا الشذرات والومضات التي قمت بنشرها وأظهرت من خلالها بعدك الفكري الحقيقي وعمقك الإنساني بصرف النظر عن الخلفيات والمرجعيات والمعتقدات. وهذا ماتبنيته شخصيا في كتابتي عن الموضوع. وشرحت مرات عديدة أنه يكفي أن تكون إنسانيا لتتضامن مع الشعب الفلسطيني الذي يواجه أسوأ احتلال وأبشع نظام مشبع بالأسطورة والثقافة الدينية الأصولية المتطرفة والذي يمكنه أن يبيد شعبا بأكمله من أجل أن تسود سرديته . لقد زرت فلسطين مرتين . وأنجزت وثائقيا بعنوان “فلسطين من الثورة إلى الدولة “لفائدة دوزيم. كنت في قطاع غزة .في جباليا وفي مخيم الشاطئ وفي بيت لاهيا ورفح ودير البلح . وهناك التقيت مسؤولين في السلطة الفلسطينية وقيادات من فتح والجبهة الشعبية وحماس وفصائل أخرى . كما التقيت وقتها بالصحافية الإسرائيلية عميرة هيس التي مازالت تكتب في صحيفة هآرتس وهي من أشد المدافعين عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. كما زرت القدس والمسجد الأقصى وبيت الشرق على عهد الراحل فيصل الحسيني . وأقمت في شارع صلاح الدين. وزرت عكا والبيرة ورام وقطعت المسافة الفاصلة بين غزة والضفة الغربية .وكنت قد دخلت خلال هذه الزيارة الى فلسطين عبر معبر رفح بعد أن استغرقت رحلتي من القاهرة صوب غزة حوالي 8 ساعات. وفي الزيارة الثانية دخلت فلسطين عبر جسر الملك حسبن . جسر الجحيم الأبشع بالنسبة للمواطنين الفلسطينيين. لأنهم يتعرضون هناك لمعاملة عنصرية مذلة. وقفت عليها شخصيا وعن كثب . كما لاحضت عن قرب شراسة الاحتلال وحقده وهمجيته، خاصة من خلال جدار الفصل العنصري. إبان هذه الزيارة زرت أريحا ورام الله والبيرة والخليل وبيت لحم. كانت مناسبة لتقديم وتوقيع كتابي ضد الغياب عن الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش. وبطبيعة والحال زرت المواقع الدينية في الخليل وبيت لحم خاصة كنيسة المهد. سردت لك كل هذه المحطات باختصار، لأفسر لك بأن كتاباتي عن فلسطين لها ما يبررها ومايسدنها ويعززها. خاصة وأنني منذ طفولتي وأن ملتزم بهذه القضية. وعندما اعتلقت ذات سياق؛ تم استنطاقي عن قصائد ألقيتها في جامعة محمد الأول وحيها الجامعي. أتذكر واحدة عن”بيروت المدينة الأسطورة “وأخرى بعنوان “محاولة لوصف حالة ” تم تعذيبي لأفصح عن معاني وأبعاد ماكتبته ولأفسر دلالة الصور الشعرية والاستعارات والمجازات التي وردت في هاتين القصيدتين.
عموما مانكتبه وما ننشره لا يطلق جزافا ولا اعتباطا ،بل هو جزء من قناعاتنا وقيمنا وبوصلتنا الفكرية ورؤيتنا للعالم . حتى ممارستنا لمهنة الصحافة لا تتم خارج هذه الضوابط. طبعا مع حرصنا الشديد على المهنية والنزاهة والاخلاقيات، التي مع الأسف أصيبت في مقتل داخل المغرب وخارجه. خاصة في الغرب الذي يعيش حالة من السقوط الاخلاقي العام . أتمنى لك مزيدا من العطاء والتألق والتميز.. ودامت لك مسرة وغبطة الحياة ومتعة القراءة ولذة الكتابة.

