استهلال لم تكن حقائب الذين دخلوا فندق فلوريدو مجرد حقائب سفر. كانت تحمل أكثر من الملابس والأغراض الصغيرة؛ كانت تحمل أسراراً، وأحلاماً، وذكريات تركها أصحابها خلف أبواب الغرف القديمة. بعضهم جاء بحثاً عن بداية جديدة، وبعضهم جاء مودعاً زمناً مضى، وبعضهم لم يكن يعلم أن دخوله إلى الفندق سيكون بداية قصة ستبقى في ذاكرة المكان.
في الحسيمة، بين زرقة البحر وهدوء الجبال، كان أوطيل ومقهى فلوريدو أكثر من مجرد بناية. كانا شاهدين على مرور أجيال كاملة، على زمن الحماية الإسبانية، وعلى سنوات الاستقلال، وعلى موجات الهجرة التي حملت أبناء المنطقة نحو الضفة الأخرى من المتوسط. كانت الطاولات تسمع أحاديث المسافرين، وكانت الغرف تحفظ أصوات من ناموا فيها ذات ليلة ثم رحلوا.
أمّا الحقائب، فكانت تغادر دائماً، لكن الحكايات كانت تبقى. وقبل أن تعرف هذه المدينة اسمها الحالي، كانت تُدعى فيلا سانخورخو، مدينة ناشئة بين صخرة معلّقة عند مدخل الخليج وجبال الريف الصامدة خلفها، بين بحر يتغيّر لونه كل ساعة وجبل لا يتغيّر أبداً. وإلى هذه المدينة، في أواخر الثلاثينيات، بعد أن وضعت الحرب الأهلية الإسبانية أوزارها، جاء شابٌّ يُدعى راؤول، لا يعرف أن الصخرة التي أُرسل إليها ستفتح له باباً إلى حياة لم يكن يتخيّلها، وأن فندقاً صغيراً قرب الساحة سيصبح يوماً بيتاً لحكايات أبنائه وأحفاده، ومستودعاً لرسائل لم تكن كلها تصل إلى من أُرسلت إليه. هذه رواية عن مدينة كانت تستقبل العابرين، عن صخرة تعلّم فيها رجل الصمت قبل أن يتعلّم الكلام من جديد، وعن فندق احتفظ بأسرار من مرّوا من هنا: أحبّوا، حلموا، رحلوا، لكنهم لم يغادروا الذاكرة.
الفصل الأول: الوداع في مدريد…
كانت مدريد، في تلك السنة، مدينة تتعلّم كيف تستمر من غير أن تتعافى بالكامل. لم يكن ما أعقب الحرب الأهلية سلاماً بالمعنى الكامل للكلمة، بل هدوءاً حذراً يشبه التعب حين يستمر من غير توقف. كانت الشوارع نظيفة على نحو مبالغ فيه، كأن المدينة تحاول أن تمحو بالكنس ما لا يُمحى بالكنس. وكانت الوجوه، حين تلتقي في الأسواق أو عند أبواب الكنائس، تتبادل تحية سريعة ثم تمضي، وكأن كل واحد منها يحمل شيئاً لا يريد أن يُسأل عنه. في بيت صغير قرب وسط المدينة، كانت ماريا تطوي آخر قميص لابنها الوحيد راؤول، وتضعه فوق الحقيبة الجلدية القديمة التي ورثها عن أبيه. لم تكن الحقيبة كبيرة، لكنها بدت في تلك اللحظة وكأنها تتّسع لكل ما لا يمكن أن يُقال بالكلام.
استدعت الخدمة العسكرية راؤول إلى مكان لم تكن ماريا تعرف عنه شيئاً سوى اسمه: “بينيون دي الحسيمة”(Peñón de Alhucemas)، صخرة منعزلة عند مدخل خليج بعيد في شمال إفريقيا، معلّقة بين البحر والعزلة، نقطة صغيرة على خريطة كبيرة لا تكاد تُرى.
لم تودّعه ماريا كما تودّع الأمهات أبناءهنّ عادة، بوصايا كثيرة وقُبَل متكررة. وقفت عند الباب تنظر إليه طويلاً، وكأنها تحاول أن تحفظ ملامحه قبل أن تبتلعها المسافة. أصلحت ياقة معطفه بيدين ترتجفان قليلاً، وقالت: “اكتب لي دائماً يا راؤول. لا أخاف عليك من البحر، بل من الصمت.” ضحك راؤول ضحكة قصيرة، محاولاً أن يخفّف عنها: “الصمت لا يقتل أحداً يا أمي.” فردّت وهي تبتسم ابتسامة لا تصل إلى عينيها: “الصمت لا يقتل، لكنه يُغيّر. وأنا لا أريد أن يعود إليّ ابن غير الذي رحل.” لم يفهم راؤول حينها معنى هذه الجملة تماماً. سيتذكّرها كثيراً في الأشهر التالية، كلما وجد نفسه واقفاً وحيداً فوق حجر بارد، يراقب بحراً لا يعرف اسمه بعد.
الفصل الثاني: الصخرة…
وصل راؤول إلى الصخرة في يوم بارد، والبحر من حوله يضجّ بصوت لا ينقطع. كانت الصخرة صغيرة كما وُصفت له، لكن البحر جعلها تبدو أكبر من معناها الحقيقي؛ حصن قديم، وثكنة، وامتداد من الحجر لا يشبه أي مكان عرفه من قبل. من فوق أسوارها، كانت المدينة تبدو نقطة بيضاء بعيدة عند سفح الجبل، وكانت الجبال خلفها تمتدّ في الأفق كخط داكن لا ينتهي. هنا لا يحدث شيء واضح؛ فقط وقت يمضي من غير أن يشرح نفسه. كان الجنود يستيقظون على الجرس نفسه، يتناولون الطعام نفسه، يؤدّون التمارين نفسها، حتى صارت الأيام تتشابه إلى درجة أن راؤول فقد أحياناً القدرة على تمييز الثلاثاء من الخميس. كان يراقب الساحل من فوق الأسوار، وأحياناً يشعر أن الساحل هو من يراقبه، بهدوء الواثق وثبات الصخر. في الليالي الأولى، كان صوت البحر يمنعه من النوم؛ لم يكن معتاداً على هذا الحضور الدائم للماء، على هذا التنفّس الثقيل الذي لا يتوقف. لكنه، بعد أسابيع، بدأ يشتاق إليه حين يغيب لحظة خلف صوت رياح أقوى.
كتب إلى أمه رسالته الأولى بعد أسبوعين، بخط متردّد كأنه لا يعرف من أين يبدأ: “أمي، أنا هنا. الصخرة صغيرة، لكن البحر يجعلها تبدو أكبر من معناها الحقيقي. لا أعرف إن كنت أفهم هذا المكان، أم أنه بدأ يفهمني. أحياناً أشعر أنني أراقب الساحل، وأحياناً أخرى أشعر أن الساحل هو من يراقبني.” جاءه ردّها بعد أسابيع، محمّلاً بقلق لا يخفى تحت الكلمات الهادئة: “أخطر ما في الصمت أنه يصبح مألوفاً. لا أريدك أن تفهمه هناك، بل أريدك ألّا تتحوّل إليه. في تلك الصخرة، المسافة ليست جغرافيا فحسب، بل حالة تسكن الإنسان من الداخل. حدّثني عن نفسك، لا عن المكان وحده.” كانت رسائل ماريا تصل متأخرة دائماً، تمرّ عبر يد ويد قبل أن تبلغه، لكنها كانت تصل محمّلة بصوتها، بنبرتها التي يعرفها منذ الطفولة، حتى وهو يقرأها وحيداً فوق حجر الصخرة، والريح تخطف أطراف الورق من يده. كان يقرأ كل رسالة مرتين على الأقل: مرة بسرعة، ليطمئن أن كل شيء على ما يرام، ومرة ثانية، أبطأ، ليسمع الصوت الذي خلف الكلمات.
الفصل الثالث: فيلا سانخورخو…
في يوم من أيام الخريف، أخذوهم عبر البحر إلى المدينة في زورق عسكري صغير، ترجّح فوق الأمواج طوال الطريق حتى شعر بعض الجنود الشباب بالدوار. رأى راؤول فيلا سانخورخو لأول مرة كما هي، لا كما كانت تبدو من فوق الصخرة: بيوت بيضاء متراصّة، شوارع ضيّقة تتسلّق التلّ بهدوء، ورائحة خبز طازج تختلط برائحة الملح. سار مع رفاقه بين البيوت، حتى وصلوا إلى فلوريدو، الساحة الصغيرة التي كان يتوسّطها فندق ومقهى يحملان الاسم نفسه، بواجهة بيضاء وستائر خضراء تخفق مع الريح. جلسوا هناك، أكلوا وضحكوا، وكأن اليوم قرّر أن يكون أخفّ من غيره، وكأن الصخرة، ولو للحظة، تراجعت إلى الخلفية. في المساء، دخلوا مسرح تياترو إسبانيول القريب، حيث كانت تُقام أمسية موسيقية بسيطة لأبناء المدينة والحامية معاً. كان المكان مزدحماً، والضوء خافتاً، وصوت آلة وتريّة يملأ القاعة الصغيرة. وهناك، بين الزحام، لمح راؤول فتاة تجلس مع عائلتها في الصف الأمامي، شعرها الداكن مربوطاً بشريط بسيط، وعيناها تلمعان كلما ضحكت لشيء قاله من بجانبها. بعد الحفل، وجد نفسه، بجرأة لم يعرفها من قبل، يقترب منها عند باب المسرح. قال: “أعتذر، لم أستطع منع نفسي من ملاحظة أنك كنت تستمتعين بالأمسية أكثر من أي شخص آخر في القاعة.” ضحكت الفتاة وقالت: “وأنت كنت تراقبني أكثر مما تراقب الموسيقيين.” اسمها إيزابيل، قادمة من مورسيا مع عائلة استقرّت حديثاً في المدينة، يعمل أبوها في تجارة صغيرة قرب الميناء. لم يكن اللقاء استثنائياً في ظاهره؛ بضع كلمات، وابتسامة، ووعد غامض بلقاء آخر عند السوق الأسبوعية. لكنه جعل ذلك اليوم كله يبدو أقلّ ثقلاً، وجعل راؤول يعود إلى الصخرة في المساء وهو يحمل شيئاً لم يكن يحمله من قبل، شيئاً يشبه بداية أغنية لم يسمع لحنها كاملاً بعد. كتب إلى أمه، بخط أسرع من المعتاد: “اليوم أخذونا إلى المدينة. رأيت أشياء لم أكن أتخيّلها، والتقيت بفتاة اسمها إيزابيل. كان لقاءً بسيطاً، لكنه جعل اليوم كله يبدو أقلّ ثقلاً.” ردّت ماريا، بين السطور فرح حذر: “يبدو أن المدينة بدأت تترك أثرها فيك. لكن لا تنسَ نفسك في كل هذا. اكتب لي دائماً.” توقّف راؤول عن الكتابة أسابيع بعدها؛ التمارين والخدمة العسكرية أخذت كل وقته، لكنه كان يفكّر في المدينة أكثر مما يفكّر في الصخرة، وفي إيزابيل أكثر مما يجرؤ على الاعتراف به لنفسه حتى في الرسائل.
تتمة:
الفصل الرابع: جيران لا نعرفهم حين استأنف راؤول رسائله….
نقلا عن الحساب الشخصي لفريد سوسان على “فايسبوك“

