بقلم: ليلى أحداد
ليست النسوية، في أصلها، موضة لغوية ولا خطاب امتياز ثقافي؛ إنها ولدت بوصفها اعتراضا أخلاقيا على تاريخ طويل من الهيمنة على النساء. قامت على فكرة بسيطة وعادلة: لا تحرر للنساء من دون تفكيك شبكات السلطة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تعيد إنتاج القهر باشكال متعددة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: كيف تحول هذا المشروع في بعض صوره إلى خطاب ينتقي ضحاياه، ويصمت حيث ينبغي أن يصرخ؟
حين تقصف مدارس الفتيات في إيران، أو تستهدف أماكن وجودهن، فإن أي خطاب يدعي الدفاع عن المرأة يختبر هناك. معيار العدالة لا يحتمل الانتقائية. الصمت هنا ليس حيادا؛ بل هو انحياز غير معلن لميزان قوى يضع الحسابات السياسية فوق حياة الطفلات وحقهن في التعليم. النسوية التي تقوم على مبدأ أخلاقي واضح لا يمكنها أن تساوم على كرامة الانسان تبعا للموقع الجغرافي أو الموقف السياسي.
لقد حذرت اتجاهات نسوية كثيرة من اختزال معاناة نساء بلدان الجنوب إلى قضايا هامشية، تذكر حين تخدم خطابا معينا وتهمل حين تحرجه. وهنا يظهر الانحراف بوضوح: تتحول النسوية من نقد عميق لبنية الظلم إلى إدارة للصورة العامة؛ من مواجهة السلطة الى اختيار القضايا الاكثر قابلية للتداول.
المفارقة أن النسوية التي قاومت تاريخيا تحويل جسد المرأة إلى سلعة، قد تقع اليوم في بعض تمظهراتها في تسليع الالم ذاته. يقاس التضامن بانتشاره على المنصات، لا بصدقه الاخلاقي. وتختزل العدالة في شعار، لا في موقف ثابت عند الشدة. حين تبتلع السوق خطابات المقاومة وتعيد صياغتها بما يجعلها قابلة للاستهلاك، تفقد حدتها، وتتحول إلى لغة آمنة لا تزعج أحدا.
الإنحراف عن الصراع الحقيقي لا يعني انكار القيم صراحة، بل إعادة ترتيب الأولويات: الابتعاد عن الكادحات والمقهورات العاملات الفقيرات، اللاجئات، السجينات، الطالبات اللواتي تستهدف مدارسهن في ايران والاقتراب من قضايا اقل كلفة سياسية. هنا يتاكل معنى التضامن العابر للحدود، وتتحول النسوية إلى نقاش بين نخب، بدل أن تبقى مشروعا شاملا للتحرر.
الصراع الحقيقي للنسوية ليس مع ثقافة بعينها، بل مع كل نظام ينتج القهر ويعيد توزيعه على أجساد النساء بطرق غير عادلة. حين تغض البصر عن عنف منهجي لانه محرج سياسيا، فانها تفرغ نفسها من جوهرها. والنسوية التي لا تسمع صوت العاملة كما تسمع صوت الاكاديمية، ولا ترى في الطفلة الايرانية التي تمنع من الامان والتعليم قضية مركزية، تعيد انتاج التراتبية التي ادعت تفكيكها.
ليست الدعوة هنا الى نسوية مثالية منزهة عن الخطأ، بل إلى حد أدنى من الاتساق الاخلاقي: حيثما وجدت امرأة تسحق تحت سلطة دولة كانت أو جماعة او نظاما اقتصاديا فهناك يجب أن يكون الصوت النسوي واضحا. وإلا تحولت الفكرة إلى هوية فارغة، والاحتجاج إلى عادة لغوية.
إعادة النسوية إلى مسارها ليست مسالة شعارات، بل سؤال صريح: هل التضامن التزام شامل بالكرامة، أم تعاطف انتقائي؟ الجواب عن هذا السؤال هو ما سيحدد إن كانت النسوية ستبقى مشروعا للتحرر، أم ستتحول إلى خطاب جميل يتعثر عند أول اختبار حقيقي.

