“حين يُذبح العقل بدل الأضحية!”

محمد التكانتي

محمد التكانتي

مع اقتراب عيد الأضحى، وفي خضم الإعلان الرسمي عن منع شعيرة الذبح في المغرب لهذا العام بسبب النقص الحاد في رؤوس الأغنام، ارتفعت مؤشرات التوتر في السوق كما في النفوس. والمثير للانتباه – حد القلق – ليس القرار في حد ذاته، بل ما تلاه من تهافت محموم على شراء لحم الخروف وأحشائه، كما لو أن العيد لا يمر إلا عبر “رائحة الشواء” و”مائدة التقاليد”، مهما بلغت الكلفة النفسية أو المادية.

النتيجة؟ اضطراب في أسعار اللحوم، توتر في العرض، واستنزاف في الطلب… وسلوك جماعي يفتقر للعقل والتوازن.

هل نحن أمام “عيد للبطون” أم “عيد للقيم”؟

في العمق، ما نشهده ليس مجرد رد فعل عفوي على قرار إداري، بل تجلٍ صارخ لسلوك جماعي تحركه غريزة القطيع، وتؤطره دوافع نفسية مركبة.

وفق مقاربة علم النفس السلوكي، فإن ارتباط العيد في اللاوعي الجمعي المغربي – كما في معظم المجتمعات الإسلامية – ليس فقط بشعيرة دينية، بل بطقوس حسية محددة: رائحة الشواء، لحم الكتف، مشهد الأمعاء المجففة، جلسة الفطور على الكبد المشوي… إنها استجابات شرطية رسّختها العادة والتكرار لدرجة صارت فيها الشعائر مختزلة في الاستهلاك.

وحين يُمنع الذبح، لا يعود الفرد قادراً على كبح تلك “الاستجابة الشرطية”، فيُسارع إلى تعويض الغائب برموزه. هنا يتجلى ما يُعرف في علم النفس بـ”التعويض القهري”: شراء اللحم ليس بدافع الحاجة الغذائية، بل بدافع الحاجة النفسية إلى حفظ الشعور بالعيد، ولو شكلياً.

حين تتحوّل العدوى العاطفية إلى سوق مشتعلة

سوسيولوجيًا، ما يحدث يُفسَّر ضمن ما يُعرف بـ”العدوى الاجتماعية”، حيث ينتقل السلوك بين الأفراد كما تنتقل الحمى. شخص واحد يشتري اللحم بكثافة، فيتولد إحساس عام بأن “الكل يشتري”، فتشتعل السوق ويزداد الهلع. وتدخل “نبوءة الندرة” حيّز التحقق الذاتي، فيرتفع السعر، ويتسابق الناس أكثر، وتكتمل الحلقة.

هذا السلوك يُغذّيه عامل آخر: الخوف من الحكم الاجتماعي. فحتى من لا يهمه اللحم، يخشى أن يُنظر إليه كـ”عاجز” أو “بخيل” أو “غريب”، فيخضع لضغط ثقافي يجعل من اقتناء “لحم العيد” طقسًا لا يُلغى، بل يُستبدل.

ما العمل؟ هل نُبشّر بالصوم الجماعي عن اللحوم؟

ليس المطلوب الدعوة إلى الزهد الكامل، ولا إلى محاربة العادات، بل إلى عقلنة السلوك الاستهلاكي، خاصة في فترات الأزمات. العقلاء في المجتمع – من علماء، ومثقفين، ومؤثرين، وإعلاميين – مدعوون لإعادة توجيه الخطاب نحو قيم العيد الأصلية: التقرب إلى الله، صلة الرحم، مساعدة المحتاج، الشعور الجمعي بالتكافل لا بالتفاخر.

العيد لا يُقاس بما في “المجمر”، بل بما في القلوب.

حين يُمنع الذبح لأسباب موضوعية، لا مبرر لأن يُذبح العقل مكانه. ما نحتاجه ليس مزيدًا من اللحم، بل مزيدًا من الوعي