في سياق سياسي مغربي مأزوم، لا يمكن فصل أي حركة أو خرجة أو تصريح عن منطق الحسابات الطبقية التي تؤسس للسلطة وتعيد إنتاجها. من هنا، تندرج خرجة البرلماني المعتقل رشيد الفايق، عن حزب الأحرار، وهو يقبع في سجن رأس الماء بفاس، ضمن هذا السياق المتوتر والمفتوح على رهانات انتخابية وشعبية لم تُحسم بعد. ليست هذه الخرجة نابعة من صحوة ضمير مفاجئة، ولا من رغبة في الانتصار للعدالة أو تصحيح المسار السياسي، بل هي جزء من لعبة خبيثة يعاد فيها تدوير أدوات التحكم في الوعي الشعبي وإعادة خلط الأوراق، عبر “أصوات” تنبعث فجأة من عتمة الزنازين.
حين يتكلم الفساد، علينا أن ننصت جيدًا، لا لكي نصدقه، بل لنفهم طبيعة بنيته الداخلية: كيف يتنفس، متى يتحرك، وما الذي يدفعه للكلام؟ رشيد الفايق، الذي شغل موقعًا حساسًا كبرلماني ورئيس جماعة، والذي تورط في ملفات ثقيلة مرتبطة بتبديد المال العام واستغلال النفوذ ونهب العقارات وتسييج القرار المحلي لصالح شبكات الزبونية، لم يتحدث حينما كان الأمر يعني توضيح الموقف أو الاعتذار أمام الشعب، بل اختار لحظة بالغة الدلالة: قبيل انعقاد استحقاقات انتخابية ساخنة وحاسمة داخل حزبه، وقبيل بداية العد التنازلي لما يسمى بـ”التوافقات الكبرى” على توزيع المناصب والأدوار والمواقع.
ما أراد بها إذن؟ أراد أن يذكر الجميع، خصومًا ورفاقًا، بأن “الملف” لا يزال حيًّا، وبأن خيوط السلطة المحلية والجهوية لا تزال في متناوله ولو من خلف القضبان. أراد أن يقول إنه رقم صعب في المعادلة الانتخابية داخل جهة فاس مكناس، وأنه لا يزال يتوفر على أنصار وشبكات ومصالح متقاطعة قادرة على التشويش، أو على الأقل، إعادة ترتيب التحالفات. هذه الخرجة إذن ليست مجرد “دردشة” صحفية أو “بوح” لسجين، بل هي ورقة ضغط تم تحضيرها بعناية، وأُخرجت من درج السلطة في اللحظة المناسبة، إما للابتزاز، أو لاقتسام الغنائم، أو لتوجيه الرسائل إلى من يهمهم الأمر.
لماذا الآن؟ لأن المخزن، أو من يدير دواليب القرار السياسي والانتخابي من خلف الستار، يحتاج إلى “أوراق محروقة” يعيد بها ترتيب ميزان القوى، أو يخلط بها المواقف لكي يُبقي على التوازن القائم. فالفساد في المغرب ليس مجرد انحراف عن القاعدة، بل هو القاعدة ذاتها، وهو الذي يُدير مؤسسات الدولة من الجماعة إلى البرلمان. من هنا، يمكن تأويل هذه الخرجة بوصفها تعبيرًا عن عقلية تحاصصية قائمة على استدامة الريع والزبونية، ولا يمكن فصلها عن مشروع أوسع: مشروع إعادة تدوير النخب الفاسدة وتقديمها في أثواب جديدة. هل نسي الناس أن عدداً من السياسيين الذين عاثوا في الأرض فسادًا عادوا من بوابة الانتخابات ليحتلوا مناصب جديدة؟ ما الذي يمنع إذن أن يُمهَّد الطريق لإعادة إدماج رشيد الفايق في المشهد مستقبلاً، خاصة إذا ما جاءت محكمة النقض بحكم مخفف أو أعادت الملف إلى نقطة الصفر كما يحدث كثيرًا في ملفات الفساد الكبرى؟
هذه الخرجة، على ضحالتها الرمزية، تحمل أبعادًا سياسية أعمق من ظاهرها. هي مؤشر على أن التحالف بين رأس المال الانتخابي والنفوذ الترابي لا يزال قائمًا، وأن العطب في البنية الانتخابية يتجاوز الأفراد ليطال الآليات نفسها. لقد صمت الفايق طويلًا، ليس لأنه لم يكن يملك ما يقول، بل لأن اللحظة لم تكن مواتية، وكان بانتظار “الضوء الأخضر” من أعلى. الآن فقط نطق، لأن الرسائل يجب أن تصل قبل أن يُحسم أمر من سيقود التزكيات ومن سيوزع “الكاوكاو” في مهرجانات الأعيان. صمته الطويل هو في حد ذاته علامة على أنه جزء من آلة أكبر، يدور وفق منطق خارجي، ولا يتحرك إلا بإشارة.
إن تأويل هذه الخرجة في ظل ما نعيشه من انحباس سياسي واختناق اجتماعي لا يمكن أن يتم إلا من منظور نقدي راديكالي، يربط بين الفساد البنيوي وبين آليات الاستبداد المقنع. ذلك أن النظام المغربي حين يُنتج مثل هؤلاء البرلمانيين، فهو لا يخطئ، بل ينفذ بدقة خريطة طريق تستهدف إفراغ السياسة من مضمونها وتحويل الانتخابات إلى بورصة صفقات. ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن خرجة الفايق هو حديث عن بنية مشوهة اختارت عمدًا تهميش المناضلين الحقيقيين وتفضيل “الخدام الطيعين”، حتى وإن كانوا لصوصًا ومرتشين ومهربين.
لقد انتظر رشيد الفايق هذه المدة كاملة لأنه لم يكن بحاجة للكلام، فقد كانت شبكاته وأذرعه وأمواله تتكلم باسمه. لكنه الآن يشعر بأن اللعبة تفلت من يده، أو أن الحزب الذي تبناه بدأ يُبعده، أو على الأقل، بدأ يُحضِّر بديلاً عنه في الكواليس. من هنا، فإن هذه الخرجة لا يمكن قراءتها إلا كنوع من التذكير بـ”الرصيد” الذي لا يزال يحمله: أصوات انتخابية، رمزية محلية، أسرار سياسية، وربما تسجيلات ومراسلات. هو لا يدافع عن حق، ولا يسعى إلى براءة، بل يناور من أجل موقع، ويستعمل “صوته” الأخير كسلاح للعودة إلى الطاولة، أو على الأقل، للحفاظ على مكانه في ذاكرتها.
اليسار الحقيقي لا يمكن أن ينظر إلى هذه الخرجة بمعزل عن سؤال كبير: لماذا لا يزال النظام يسمح بإنتاج نفس النماذج، وإعادة تدويرها؟ لماذا لا تُفتح ملفات الفساد الحقيقية أمام الشعب؟ ولماذا لا يُحاسَب من سمح لرشيد الفايق، وغيره، بأن يعيثوا فسادًا في الأرض؟ الجواب بسيط: لأن النظام نفسه قائم على منطق الاستبداد والريع، ويحتاج إلى هذه الأدوات ليضمن الاستقرار الشكلي، وليُغرق الجماهير في أوهام الصناديق والانتخابات والمعارضة الشكلية.
من هنا، فإن كشف الخرجة لا يعني تفكيك الفايق كشخص، بل تفكيك البنية التي أنتجته، والبنية التي أعادت توظيفه، والبنية التي ستستعيده لاحقًا، إن لم تتغير موازين القوى. وهذا لن يتم إلا بحركة جماهيرية واعية، تدرك أن معركة السياسة في المغرب هي أولًا معركة ضد الفساد البنيوي، وضد تحالف المال والسياسة، وضد كل الواجهات الحزبية التي تحولت إلى ماكينات لإنتاج الخضوع.
إننا اليوم أمام مشهد سريالي: سجين يتحدث وكأن لا شيء حدث، وكأن الدم الذي نزف في الأحياء الشعبية من فاس إلى أولاد الطيب بسبب سوء التدبير والنهب والتهميش لا يعنيه. يتحدث وكأنه صاحب فضل، لا كمن نهب وعبث واختلس. وهذا هو وجه الديمقراطية المزيفة في المغرب، حيث يتكلم الفساد من قلب الزنازين، بينما تصمت العدالة.
لن نُخدع مجددًا، فكل “خرجة” من هذا النوع هي دليل على أن المشكل ليس في الشخص، بل في النظام الذي سمح له أن يصير رمزًا لمرحلة كاملة من الإفساد الممنهج. ونحن، في معسكر الوعي الثوري، لا نقرأ هذه الخرجة بوصفها حدثًا معزولًا، بل كجزء من صورة كاملة ترسم ملامح موت السياسة في بلادٍ اختار حكامها تحويل البرلمانات إلى مزادات، والجماعات الترابية إلى إقطاعات، والانتخابات إلى مسرحيات بلا جمهور.
ابو علي بلمزيان

