بقلم: أبو علي بلمزيان
مساء الحزن النبيل هذا، أكتبه وأنا مشدود بحبل من نار إلى غيابك، يا رفيقي الذي لم يكن يشبه أحداً. أكتبه وفاءً لك، وألماً علي، وحباً خالصاً لصورتك التي لا تمّحي من وجداني. لم ترحل، لأن من يشبهك لا يرحلون. لأنك عشت صادقاً، ثابتاً، منحازاً دوماً للعدل، للحق، للإنسان. لأنك كنت يمين محمد، لا مجرد اسم في سجل الغياب.
أبعث عزائي الحار إلى أسرتك المناضلة، إلى رفاقك ورفيقاتك، إلى كل من عرفك ولامس دفء إنسانيتك وصلابة جوهرك. كنت عصياً على التدجين في زمن التصحر، عصياً على الكسر في زمن الانبطاح. ولم تكن أبداً من أولئك الذين يُغريهم البريق أو تُربكهم العواصف.
عرفتك منذ كنت صوتاً صاخباً في زمن القهر. من أولئك الذين أدركوا باكراً أن التاريخ لا يُكتب من أعلى، بل من قعر الألم، من صلب المعاناة، من أنين المعذبين في الأرض. انتميت للتيار القاعدي يوم كانت الكلمة تهمة والموقف جريمة، ولم تساوم، ولم تنكسر، ولم تبلع الطُعم.
سنة ونصف قضيتها في سجون وجدة في أواسط الثمانينات، لم تكن سجناً لروحك، بل مدرسة للصمود. خرجت منها أصلب، أشد وعياً، وأكثر التصاقاً بقضايا الفقراء. وما إن نلت حريتك حتى انطلقت إلى تطوان، حيث واصلت مشروعك النضالي والعلمي في جامعة عبد المالك السعدي، تصنع مع رفاقك هناك قلعة من الفكر الجذري والوعي والتأهب الدائم للعصيان.
كنتَ أكبر من مجرد مناضل. كنت إنساناً بحجم قضية، نبيل الموقف، صادق القول، وحدوي الروح. لم تفسدك المواقع، ولم تغرك المناصب. بقيت الأستاذ الذي يفتح قلبه قبل فصله، والمدير الذي لا يشيح بوجهه عن قضايا الكرامة، ولا ينسى تاريخه في الزنازين. في كل محطة نضالية، كنت حاضراً. لا تستدعى، بل تبادر. لا تُستعمل، بل تضيء.
كنت من طينة أولئك الذين يُضاؤون من الداخل، الذين يزرعون الطمأنينة بمجرد حضورهم، ويمنحون الثقة لمجرد حديثهم. لم تكن تعرف الحقد، ولا تتقن المراوغة. كنت تقول ما تؤمن به، وتفعل ما تقول. قريب من الشباب، عون للمحبطين، ورفيق وفيّ لكل من اختار درب الكرامة. علمتني أن السياسة بلا إنسانية جريمة، وبلا قناعة صفقة نخاسة، وبلا هدف سقوط في الهاوية.
لقد كنت الصوت الذي لا يلين في وجه الظلم، واللسان الصادق لمن لا صوت لهم. كنت تُدافع عن المساواة كما يدافع المؤمن عن إيمانه، وتؤمن بالحرية لا كترف نخبوي، بل كشرط للكرامة. واجهت الردة بكل وضوح، ورفضت أن تكون جزءاً من جوقة المهرولين. كنت تمشي بين الألغام، وتهتف للحق دون مواربة.
رحيلك ليس خبراً، بل زلزال. ليس مجرد فقد، بل خسارة جسيمة لليسار الجذري، لحركة النضال الشعبي، للمعنى النبيل للالتزام.
وبرحيلك، لا أودّعك كالأموات، بل أحييك كرمزٍ من رموز العصيان المدني، وكرامة المقهورين. أرثيك كما يُرثى الثوار: لا تصالح مع الظلم، لا شراكة مع الجلاد، لا حياد في زمن الانحطاط.
سلام عليك يا رفيقي الحر، يا من حجزت لك مكاناً خالداً في ذاكرة المظلومين.
سلام على صدقك، على دفئك، على صلابتك، على إنسانيتك التي فضحت زيف الساقطين.
سلام عليك في زمن الردة والانبطاح، أيها الراديكالي الشامخ، يا من جعلت من الثورة أسلوب حياة، لا زينة خطاب.
نم قرير العين، فالراية التي رفعتها لن تسقط. الجيل الذي تعلم منك، سيواصل حملها، سيقاتل ضد الاستغلال، ضد القهر، وسيظل يسعى نحو الحلم الكبير: مجتمع بلا طبقات، بلا سجون، بلا فقر.
وداعاً يا صوت المهمشين، يا قلب الفقراء، يا ضمير الأحرار.
لن أنسى، ولن أغفر، ولن أصالح.

