عبد الوهاب تدمري يكتب..الحرب الإيرانية الإسرائيلية: أو الاختبار الأصعب  لموازين القوى الإقليمية والدولية

عبد الوهاب تدموري

إن أي متابع للصراع الدولي يعرف مدى ما يشكله الشرق الأوسط من أهمية استراتيجية لجميع القوى الدولية المتصارعة. علما ان باقي مناطق الصراع سواء في شرق أوربا أو في جنوب شرق آسيا أو في أفريقيا وأمريكا اللاتينية كلها مجالات مفتوحة لتنامي الصراعات فيها مستقبلا حسب ما ستحدده  موازين القوى  في منطقة الشرق الأوسط. و التي يتأكد مرة أخرى من خلال اعلان  اسرائيل وامريكا الحرب على إيران أنها تكثف الصراع الاستراتيجي الدولي.

– اولا لما تحتويه هذه المنطقة من احتياطيات عالمية من موارد الطاقة وتواجد ممرات  مائية   تتحكم في نسبة 20 إلى 30% من تجارة النفط العالمية. 

-ثانيا لتواجد كيان غرسته القوى الغربية الاستعمارية في المنطقة وذلك  قبل ان تتبناه  أمريكا بشكل كلى بعد الحرب الكونية الثانية وتبوء هذه الأخيرة زعامة العالم الغربي.  وهو الكيان الذي أريد له أن يكون القوة الإقليمية الوحيدة المسيطرة بالوكالة على  المنطقة. وهو ما عملت أمريكا على ترسيخه أكثر فأكثر بعد أن فقد العالم توازنه لصالح الغرب الأطلسي بعد انهيار جدار برلين. وذلك عبر وسائل متعددة سواء باستعمال القوة الناعمة والثورات الملونة  أو باستعمال الحروب بالوكالة عبر التحريض على إشعال  النزاعات المذهبية والطائفية  لتفكيك الشعوب والدول المناهضة لإسرائيل والهيمنة الأمريكية. أو باستعمال القوة الصلبة المباشرة كما كان الحال في العراق وليبيا وسوريا…الخ. 

لكن إن كان هذا النهج قد سلكته كل من إسرائيل و أمريكا خلال المرحلة التي تلت انهيار جدار برلين وسيادة الأحادية القطبية الأمريكية على العالم وعلى   منطقة الشرق الأوسط التي شكلت على مدى عقود من الزمن مجال نفوذ حصري لها وذلك   دون أي رادع دولي يذكر و في خرق سافر للقانون الدولي والميثاق المؤسس  للأمم المتحدة.

 لكن هل يمكن اعتبار أن نهج هذا السلوك في المرحلة الراهنة لا زال ناجعا في الحفاظ على الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية على المنطقة؟. خاصة مع ما تشهده هذه الأخيرة  من صعود لقوى إقليمية مزاحمة لسيطرة الوكيل الإسرائيلي كإيران وتركيا ومصر وباكستان، وهي كلها دول لن ترضى بالكيان الاسرائيلي وكيلا عليها. بل و  تشابكت مصالح هذه الدول الاستراتيجية مع قوى عالمية جديدة مناهضة لنظام الأحادية القطبية. وتعمل جادة على إقرار نظام عالمي جديد متعددة الأقطاب. وذلك سواء من داخل مجموعات اقتصادية جديدة  كمنظمة شنغهاي للتعاون و البريكس. أو من خلال شراكات أمنية وعسكرية كما هو الشأن بين باكستان وإيران والصين وروسيا التي من تمظهراتها المناورات العسكرية الدورية المشتركة.  

على ضوء ما سبق فإن الحرب التي تخوضها إسرائيل وأمريكا على إيران لا يمكن ايعازها فقط إلى فشل المفاوضات في ما يخص البرنامج النووي السلمي الإيراني. بل تندرج ضمن استراتيجية شاملة للولايات المتحدة الأمريكية و وكيلتها في المنطقة اسرائيل من أجل اخضاع ايران التي تزاحم الهيمنة الإسرائيلية، وذلك بعد أن تم اخضاع جل الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط. و اضعاف الحركات المقاومة في بعض دولها سواء في فلسطين أو  لبنان أو سوريا أو العراق.

كما أن هذه الحرب العدوانية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليست إلا  حلقة   في سياق مشروع متكامل لبناء شرق أوسط جديد حسب التصور الأمريكي الإسرائيلي الذي  يوفر أولا الغطاء لحرب الإبادة الجماعية في غزة والضفة الغربية من أجل تصفية القضية الفلسطينية. 

و ثانيا يسقط إحدى الركائز الأساسية  التي استندت إليها الحركات المقاومة   للهيمنة الإسرائيلية الامريكية على المنطقة. علما أن الدور سيأتي لاحقا على دول إقليمية أخرى كتركيا التي يصطدم معها الكيان  في أكثر من ملف إقليمي كالملف السوري  والفلسطيني. والملف الكردي. بل يمكن القول أن مؤشرات هذا الصراع المستقبلي بدأت تلوح في الأفق سواء من خلال الاختراق الأخير للطيران الحربي الاسرائيلي للأجواء التركية وتصدي هذه الأخيرة له. وكذا العدد المتنامي لشبكات  التجسس الإسرائيلية التي يتم اكتشافها داخل الأراضي التركية. هذا دون أن نغفل مصر التي شكلت عقدة تاريخية للكيان. وترفض تهجير الفلسطينيين إليها. إضافة إلى عدم  قدرة الكيان على خلق تطبيع شامل معها، وذلك على غرار بعض الدول المطبعة مؤخرا التي شرعت أمنها و مجتمعاتها لكل أشكال التدخل الاستخباراتي الإسرائيلي، هذا بالرغم من مرور عقود من توقيع اتفاقية كامب  ديفد. وهو ما تنظر اليه اسرائيل بعين متوجسة خاصة بعد أن أقامت مصر مؤخرا  شراكات اقتصادية  واتفاقيات عسكرية مع كل من الصين في مجال التسليح الحديث، وروسيا التي تعمل جاهدة على انشاء محطة لتوليد الطاقة الذرية على الأراضي المصرية. 

بالعودة إذن إلى الحرب العدوانية التي تشنها إسرائيل وأمريكا على إيران يمكن القول  ان هذه الحرب تشكل حلقة مفصلية في الصراع الدولي الاستراتيجي الذي تريد من خلاله أمريكا إعادة  فرض هيمنتها الكلية  على منطقة طالما شكلت مجال نفوذ حصري لها ولم يتبقى من عناصر مقاومتها سوى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بعد أن فقدت زمام المبادرة في  منطقتي  شرق أوربا و بحر الصين الجنوبي اللتان  تبوأت فيهما السيادة كل من الدولتين النوويتين روسيا والصين.  

كما أن هذه الحرب العدوانية التي أوكلت مهمة إنجازها للكيان الاسرائيلي بضوء أخضر و مساعدة  أمريكية. ومن خلال ما اتبعته إيران من ردة فعل مدمرة للكيان الصهيوني الذي بدى متفاجئا من قوة الرد الإيراني، وبدأ  يطلب تدخلا مباشرا من أمريكا، وهو ما لوح به دونالد ترامب بتردد.  

لكن كما يبدو، و نظرا لعدم يقين أمريكا من  عدم حسم هذه الحرب سريعا إن دخلتها مباشرة. اضافة إلى  تداعياتها الإقليمية والدولية  سواء الأمنية أو الاقتصادية خاصة إذا ما أقدمت ايران على إغلاق مضيق هرمز. وكذا تلويح أطراف  دولية أخرى صديقة لايران بالدخول على خط المواجهة، ومد ايران بالأسلحة الدقيقة و المعلومات الاستخباراتية  خاصة من طرف كل من كوريا الشمالية والصين وروسيا، إضافة إلى باكستان التي ترى انها يمكن ان تكون هدفا لا حقا للكيان الاسرائيلي.  

كل هذا يدفع أمريكا إلى التحفظ حتى لا تغرق  في وحل حرب غير مضمونة النتائج وباهضة التكلفة. كما أن دخول أمريكا الحرب مباشرة ضد إيران سيسرع من إنشاء تحالف عسكري  دفاعي بين هذه الدول السالفة الذكر. وهو ما لا تريده الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة ترامب الذي قدم نفسه للجمهور الأمريكي تحت شعار” أمريكا أولا” وانه لن يورط الشعب الأمريكي في حروب خارجية.

خلاصة القول أن الحرب الحالية بين إيران والكيان الاسرائيلي وبعد الدمار الذي لحق  البلدين لن يؤدي إلى أي تغيير جذري في موازين القوى في المنطقة حاليا. بل ستحافظ كل دولة على موقعها الحالي كقوة اقليمية وازنة في المنطقة سترسمان قواعد اشتباك جديدة في المنطقة. كما أن  لغة  الدبلوماسية ستنتصر على لغة الحرب  خاصة بعد أن أظهرت الدولتين  قدرتهما على الردع المتبادل. كما أن التصريح الأخير المتأخر لمدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية السيد رفائيل غروسي  الذي عبر من خلاله  عن عدم نية إيران امتلاك القنبلة النووية وأن هذه الأخيرة ليس  لديها برنامج لذلك. إضافة إلى التصريح الأخير للناطقة الرسمية باسم البيت الأبيض التي اعتبرت فيه تدخل أمريكا المباشر في الحرب على ايران هو امر مؤجل لأسبوعين إضافيين. بالتالي فإن كل المؤشرات ترجح  أن لغة الحوار والعقل ستنتصر على لغة الحرب. وأن ايران ستخرج من هذه الحرب   منتصرة  معنويا رغم  الدمار الذي لحق بها و الحقته  كذلك هذه الأخيرة  بالكيان الاسرائيلي الذي لم يشهد له مثيل في تاريخه. وان  الخاسر الأكبر في هذه الحرب سيكون   نتانياهو وحكومته  الذين قدموا  أنفسهم كحماة “للشعب اليهودي” الذي ساقوه لحرب خاسرة مع إيران وذلك انطلاقا من تقديرات خاطئة لحجم القوة التي قد تواجههم. وكذا كل من اتخذ موقفا عدائيا تجاه إيران التي ستخرج اكثر قوة وصلابة من هذه الحرب. 

د. تدمري عبد الوهاب 

طنجة في 20 يونيو  2025