وأنا أستعد لخوض الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بعد مسار ديمقراطي داخلي قاعدي داخل الحزب الذي أنتمي إليه، حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، وبعد دينامية سياسية وشعبية مهمة رافقت هذا الترشيح واستقبلته فئات واسعة من ساكنة دائرة المحيط بكثير من الترحيب والثقة، بدا أن للسلطة المحلية بالعاصمة رأيا آخر، وخلاصة واحدة كونتها عن شخصي وعن مساري النضالي: يجب إقصاء هذا الشاب من المشهد.
بلغني الخبر يوم 18 يونيو 2026، وأنا بمدينة آسفي في إطار مهمة حقوقية، حين تلقيت اتصالا يحذرني من وجود مساع للتشطيب علي من اللوائح الانتخابية. لم أتعامل مع الأمر في البداية إلا باعتباره معطى يحتاج إلى التحقق، لكن سلسلة من الاتصالات والاستفسارات أكدت لي في اليوم الموالي أن الأمر يتجاوز مجرد إشاعة أو تخمين، وأن قرارا يجري الإعداد له بالفعل.
ويوم الإثنين 22 يونيو، كنت مصرا على التوصل بقرار التشطيب بعدما تأكد لي من مصادر متعددة أن اللجنة الإدارية المكلفة بمراجعة اللوائح الانتخابية بمقاطعة يعقوب المنصور أصدرت بتاريخ 21 يونيو قرارا يقضي بالتشطيب علي من اللوائح الانتخابية. ورغم محاولاتي المتكررة للحصول على نسخة من القرار، لم أتمكن من التوصل به إلا في اليوم الموالي.
وبمجرد توصلي به، تقدمت بتاريخ 24 يونيو بطعن أمام المحكمة الإدارية بالرباط يرمي إلى إلغاء قرار التشطيب. وتم إدراج الملف بجلسة 25 يونيو، في مفارقة ذات دلالة خاصة، إذ تزامنت تلك الجلسة مع جلسة أخرى كنت أمثل فيها أمام القضاء في ملف جنحي أعتبر نفسي متابعا فيه ظلما. حضرت الجلسة، وانتصب الوكيل القضائي للمملكة نائبا عن وزارة الداخلية واللجنة الإدارية المعنية، قبل أن يتم تأخير الملف إلى جلسة 29 يونيو. حضرت تلك الجلسة، في حين تخلفت باقي الأطراف، قبل أن يتم الإدلاء بمذكرة أثناء المداولة، فتولينا الرد عليها بالكيفية القانونية اللازمة. ورغم ما أثير من دفوع قانونية وواقعية، أصدرت المحكمة الإدارية بالرباط يوم أمس حكمها برفض طلب إلغاء قرار التشطيب.
وأعتذر عن الإغراق في التفاصيل والتواريخ، غير أن هذه المعطيات ليست مجرد وقائع إجرائية عابرة، بل هي جوهر القضية ومفتاح فهم أبعادها القانونية والسياسية.
ومن هذا المنطلق، أرى من واجبي توضيح مجموعة من الحقائق للرأي العام:
– أولا: إن ما جرى لا يمكن فصله عن السياق العام الذي يطبع علاقتي بالسلطة في الرباط وبعض الجهات التي لم تخف يوما انزعاجها من مواقفي ومن انخراطي إلى جانب قضايا الساكنة والنضالات الاجتماعية والديمقراطية. وأنا على وعي تام بأن ما راكمناه من مبادرات وتحركات دفاعا عن حقوق المواطنين والمواطنات لم يكن محل ترحيب لدى الجميع، وأن البعض اختار أن ينظر إلى هذا الالتزام باعتباره مصدر إزعاج يجب التخلص منه بدل اعتباره مساهمة مشروعة في الحياة العامة.
– ثانيا: إن اللجنة التي اتخذت قرار التشطيب بتاريخ 21 يونيو لم يكن بين يديها، لحظة اتخاذ القرار، أي ملف أو وثيقة أو معطى إداري يتعلق بوضعيتي يمكن أن يشكل أساسا قانونيا لهذا القرار. وهو ما يطرح سؤالا جوهريا حول الأساس الذي بني عليه القرار، وحول الكيفية التي انتهت بها اللجنة إلى هذه الخلاصة قبل توفر العناصر التي حاولت الإدارة الاستناد إليها لاحقا.
– ثالثا: إن الوثائق التي أدلى بها الوكيل القضائي للمملكة أثناء المداولة تكشف حجم الاستهداف الذي أتعرض له منذ مدة، وليس فقط في هذه القضية. فقد تضمنت شهادة السكنى الخاصة بابنتي، ووثائق مرتبطة بطلب جواز سفرها، ونسخة من البطاقة الوطنية لزوجتي، إلى جانب وثائق أخرى لا تخصني شخصيا ولا تربطها أي علاقة مباشرة بوضعيتي الانتخابية أو بمحل إقامتي.
– رابعا: تم الإدلاء بشهادتين إداريتين؛ الأولى صادرة عن قائد الملحقة الإدارية السابعة، والثانية عن قائد الملحقة الإدارية الثالثة. والمثير للانتباه أن هاتين الوثيقتين أنشئتا بعد صدور القرار الإداري المطعون فيه، أي بعد نشوء النزاع القضائي وتسجيل مقال الطعن الذي توصلت به الإدارة بتاريخ 24 يونيو 2026. وهو ما يعني أن القرار سبق مبرراته، وأن الإدارة حاولت، بعد الطعن فيه، بناء عناصر جديدة لتسويغه والدفاع عنه.
– خامسا: إن المعطيات الواردة في هاتين الشهادتين لا تعكس الواقع الفعلي ولا تنسجم مع الوقائع الثابتة. فقد ورد فيهما أنني غادرت حي يعقوب المنصور منذ أكثر من ست سنوات، أي قبل سنة 2020 على الأقل، وهو ادعاء يناقض الحقيقة والواقع المعيش.
فأنا أحمل بطاقة وطنية للتعريف الإلكترونية تتضمن عنواني بيعقوب المنصور، وقد حصلت عليها سنة 2021. كما ترشحت للانتخابات خلال سنة 2021 وأنا أقيم بالعنوان نفسه، وترشحت كذلك خلال الانتخابات الجزئية لسنة 2024 دون أن يثار أي نزاع أو تشكيك في محل إقامتي أو وضعيتي الانتخابية.
لكن بعيدا عن مجموع الخروقات القانونية التي شابت القرار وما تلاه من إجراءات، فإن ما وقع يجد تفسيره في سياق أوسع. فمنذ مارس 2025 بلغني، عبر أكثر من جهة، أن هناك قرارا سياسيا غير معلن يقضي بمنعي من الترشح، وأن بعض الجهات لم تنس مواقفي وتحركاتي، وخاصة في ما يتعلق بملف حي المحيط وقضايا الساكنة التي انخرطت في الدفاع عنها.
ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف محاولات الاستهداف والتضييق بأشكال مختلفة. فقد جرى تسخير أكثر من جهة، وفتح أكثر من واجهة، واستعمال بعض الأصوات التي نصبت نفسها وصية على النضال والتاريخ، في حملات متواصلة للتشهير والاغتيال المعنوي ومحاولة المس بالمصداقية والمسار النضالي.
غير أن ما لم يدركه أصحاب هذه المحاولات هو أن قوة أي مناضل لا تقاس بحجم الحملات التي تستهدفه، بل بمدى صدق قضيته و عدالتها وبحجم الثقة التي يراكمها وسط الناس. وقد كان رفاقي ورفيقاتي في حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي بالرباط أكثر وعيا وفطنة من كل تلك المناورات، وأدركوا منذ البداية أن الأمر لا يتعلق بشخص فقط، بل بمحاولة إقصاء صوت سياسي مزعج وإبعاد خيار ديمقراطي من ساحة التنافس.
واليوم، لا أشعر إلا بالفخر والاعتزاز بما قدمته وما أواصل تقديمه. لم أبحث يوما عن امتياز أو موقع، ولم أتعامل مع السياسة باعتبارها سلما للمصالح الشخصية، بل باعتبارها التزاما أخلاقيا ومسؤولية تجاه الناس وتجاه المبادئ التي آمنت بها.
لن أتراجع، ولن ألوذ بالصمت، ولن أقبل بتحويل الإقصاء إلى قدر سياسي. بل أعتبر ما يجري اليوم محطة جديدة في مسار طويل من النضال من أجل الديمقراطية والكرامة والعدالة وحقوق الإنسان.
أنا اليوم أكثر إيمانا بعدالة القضايا التي أدافع عنها، وأكثر اقتناعا بضرورة مواصلة هذا الطريق. معي رفاقي ورفيقاتي الصادقون والصادقات، ومعي زملائي وزميلاتي في المهنة الذين لا يقصرون في دعمي بكل الأشكال الممكنة، ومعي ساكنة الحي التي عايشت مساري وتعرف مواقفي، ومعي كل المؤمنات والمؤمنين بأن الديمقراطية لا تستقيم بالإقصاء، بل بضمان الحق في المشاركة والتنافس الحر والمتكافئ.
إنها مرحلة جديدة من المواجهة السلمية والديمقراطية ضد كل أشكال السلطوية والتضييق، ومن أجل الدفاع عن الحق في المشاركة السياسية وعن حق المواطنات والمواطنين في اختيار من يمثلهم بحرية كاملة.
أما المعركة، فلم تنته بعد. فسأتقدم مطلع الأسبوع المقبل بالطعن في الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية، لأن الدفاع عن الحقوق لا يتوقف عند حكم أول، ولأن الإيمان بالعدالة يقتضي استنفاد كل السبل القانونية المتاحة. كما ننتظر ما سيتخذه المكتب السياسي لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي من مواقف وإجراءات بشأن هذه الوقائع، التي تتجاوز شخصي لتطرح أسئلة جوهرية حول شروط التنافس الديمقراطي وضمانات المشاركة السياسية في بلادنا.
قد يتمكن البعض من عرقلة المسارات، لكنهم لن يتمكنوا من مصادرة القناعات. وقد ينجحون في إقصاء مرشح، لكنهم لن ينجحوا في إقصاء فكرة.
أما نحن، فسنواصل الطريق كما بدأناه: أوفياء لقيم الحرية والكرامة والعدالة، ومؤمنين بأن الديمقراطية الحقيقية لا تبنى إلا بإرادة المواطنات والمواطنين واحترام حقهم في الاختيار الحر.
فاروق مهداوي- محامي بهيئة الرباط

