بقلم: ناجي العماري
ما أشبه البدايات بالبدايات، وما أشبه الشهداء بالشهداء. هي فلسطين، الأرض التي لا تنضب من القادة، ولا تفرغ من الحكايات. كلما ترجّل فارس، امتطى جواده ألف فارس جديد، وكلما أُغلقت نافذة بالنار، انفتحت أبواب بالجمر. القصة أطول من تعداد السنين والعقود، وأوسع من حدود الجغرافيا، وأعمق من مفردات السياسة. القصة اسمها: فلسطين.
في مثل هذه الأيام، قبل سبعة وثلاثين عاماً، اغتالت يد الإرهاب الصهيوني واحداً من أعمدة الثورة الفلسطينية، ومهندس انتفاضتها الأولى، القائد الرمز خليل الوزير “أبو جهاد”. لم يكن استشهاده حدثاً عابراً في سجل الدم الفلسطيني، بل لحظة مفصلية أعلنت أن القادة في فلسطين لا يموتون، بل يتحولون إلى فكرة، إلى شجرة مقاومة، إلى منارة تهدي الأجيال في ليالي الحصار الطويلة.
أبو جهاد لم يكن مجرد رجل بندقية، بل كان صاحب عقلٍ ثوري هندس للانتفاضة، وبنى التنظيم، وصاغ ملامح المشروع الوطني الفلسطيني كما يجب أن يكون: مقاومة متجذّرة في الأرض، متّصلة بالناس، ومفتوحة على أفق التحرير.

هو من أطلق أول رصاصة، وأشعل أول حجر، وفتح أول طريق لشباب الشبيبة والطلبة والنساء نحو الميادين. هو من أدرك أن الثورة ليست شعاراً يعلَّق، بل بناء يومي، ومراكمة في الوعي، وصبر طويل. وأن الرصاصة، إن لم يسندها وعي، تتحوّل إلى فراغ في التاريخ.
واليوم، حين تنفجر غزة تحت نيران “طوفان الأقصى”، لا يبدو ما يحدث مفصولاً عمّا فعله أبو جهاد ذات يوم. وكأن القصة بدأت من عملية “خزان زُهور” سنة 1955، تلك التي نفذها ورفاقه في غزة، لتكون أول رسالة دامية للمحتل: نحن هنا، وسنبقى.
إن هذه الملاحم البطولية التي يسطرها اليوم شعب فلسطين البطل، بقيادة الأجنحة العسكرية التي تتصدر المشهد المقاوم، وعلى رأسها كتائب عز الدين القسام، وسرايا القدس، وكتائب شهداء الأقصى، وغيرها من التشكيلات، ما هي إلا امتداد طبيعي واستمرارية وفية للمسار الكفاحي الذي رسم معالمه الشهيد القائد خليل الوزير، منذ أن ساهم، إلى جانب رفاقه في الخلية الأولى، وعلى رأسهم الشهيد ياسر عرفات “أبو عمار”، وضمير الثورة صلاح خلف “أبو إياد”، في تأسيس قوات “العاصفة”، التي أعلنت انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة بعملية “نفق عيلبون” عام 1965.
سبعون عاماً مرّت، وما يحدث اليوم ليس سوى استمرار لتلك اللحظة المؤسسة، البرهان العملي أن الثورات الحقيقية لا تموت، بل تنبعث من رمادها. فكل محاولة لاغتيال قائد، ليست سوى دعوة مفتوحة لاستدعاء ألف مقاوم جديد، وكل جريمة اغتيال صهيونية، ما هي إلا توقيع إضافي على فشل مشروع الإبادة وكسر الإرادة.
لقد حاولت آلة الاغتيال الصهيونية، مراراً، أن تقطع هذا الشريان المقاوم باغتيال القادة: من خليل الوزير إلى محمد الضيف، مروراً بأبي إياد، وأبي عمار، وعبد القادر الحسيني، وأبي علي مصطفى، ورائد الكرمي، وكمال عدوان… لكنهم فشلوا. لأن هؤلاء لم يكونوا أفراداً فحسب، بل تجسيداً لروح لا تموت، تتناسل جيلاً بعد جيل.
تُقتل الفكرة عندما تُنسى، لا عندما يُغتال صاحبها. وأبو جهاد لم يُنسَ، بل يتجلى اليوم في كل مشهد مقاومة: في كل طفل يرشق بالحجر، في كل نفق حفرته الأظافر، في كل صاروخ انطلق من غزة، وفي كل صيحة أم شهيد تقول للعالم: “خذوه، فداءً لفلسطين”.
هذا هو إرث خليل الوزير، لا يُورث كالمناصب، بل يُستعاد مع كل لحظة تحدٍّ. وما نراه اليوم في الميدان، هو أبلغ استحضار له، حيث يستمر الفلسطيني في كسر معادلة الموت، في صناعة الحياة من تحت الركام، في رفع راية لم ولن تسقط، مهما بلغت طائرات الموت، ومهما اشتدت قبضة الحصار.
وكما قال أبو عمار في تأبين رفيق دربه أبو جهاد:
“كلما سقط منا سيد، كلما سقط منا قائد، تبعه آلاف من القادة الجدد.”
وما دام في فلسطين طفل، وامرأة، ومقاتل، يؤمن بحق العودة، فإن الثورة ستظل حيّة، والقدس ستظل بوصلة، وخليل الوزير سيظل حاضراً.
لا بتمثال، ولا باسم شارع،
بل في كل فعل مقاوم يقول للعدو:
نحن هنا… ما زلنا هنا… وسنبقى هنا.

