بقلم : جمال الكتابي
عندما وصل بوجميع ( بوجمعة ناس الغيوان) إلى باريس في نهاية الستينات من القرن الماضي في زيارة قصيرة، كان حراك باريس، الذي انطلق في بداية ماي 68، يحط اوزاره معلنا الانتصار على الدولة الفرنسية، وكان من بين إنجازاته، إسقاط االبرلمان ورحيل رئيس الدولة الجنرال دوغول لاحقا، بالإضافة إلى تحقيق مطالب الحراك. المخابرات الفرنسية اتهمت الحراك منذ البداية بتحريكه وتمويله من طرف المخابرات السوفياتية وذلك نظرا للمكانة المتميزة التي كان يتمتع بها آنذاك الحزب الشيوعي الفرنسي وزعيمه السيد ‘جورج مارشي’ لدى موسكو وبالخصوص أن قوى اليسار وضمنهم الحزب الشيوعي كانوا العمود الفقري للحراك.
النخبة الفرنسية انضمت إلى الحراك منذ الوهلة الأولى، ضمنهم المفكر الفرنسي ‘سارتر’ الذي تحفض في البداية لأسباب إديولوجية أو تنظيمية من بينها اتهام الحراك باعتماد الفوضى في عمله…
بوجميع أصابه الصم والبكم وهو يتابع النقاشات والتقييمات واحتفال الشباب بنشوة الانتصار في بلد متقدم ينعم فيه الفرد بالعيش الكريم والكرامة، بل تساءل لماذا انتفض هؤلاء وهم ينعمون بكل الحقوق والعيش الكريم بينما الناس عندنا تعيش في الكارينات وتحمد الله…
بعد قضائه ستة أشهر تقريبا في باريس رجع ‘بوجميع’ إلى الكاريان ليتابع نشاطه الفني والمسرحي فوق الخشبة بجدية أكبر وقليل من الكلام هذه المرة. في هذا السياق يقول صديقه حسونة أنه حدث ذات مرة أن انفجر في وجه زملائه حيث طالبوه بأخذ قسط من الراحة بعد الغذاء، ذات صيف حار. انفجر في وجوههم بما يفيد الكلام التالي”واش مازال ماشبعتوشي نعاس، شوفو الناس فاين وصلت ورغم ذلك خرجات كتنتافض وكتحتج (يقصد حراك باريس)…واش خصكوم غير نعاس”…
قبل أن يتم فرض الحوار على حكومة دوغول، انتشر الحراك وتمدد في شكل تظاهرات حاشدة في باقي انحاء العالم: برلين، بون مدريد، براغ، بروكسيل، أمستردام، نيويورك وطوكيو…ومازالت آثاره على السياسة الفرنسية إلى يومنا هذا، فساركوزي مثلا اكد خلال حملته الانتخابية سنة 2007 أن من بين نقطه البرنامجية هو القضاء على إرث حيراك 68.
الحراك الشعبي بالريف وفي باقي المناطق الأخرى هو حركة المواطنين المضطهدين وليست مؤامرة كما ذهب إليه مصطفى الخلفي أو بيان الوكيل العام. لذا على الأقلام والفاعلين جميعا أن يتحرروا من تقاعسهم في تناولهم لحركة الجماهير وأن يجعلوا من هذه الحركة مدخلا للمعركة من أجل التغيير الحقيقي ومحاكمة السياسة العمومية وليس مجالا لتقييم خطاب شباب الحراك، لأن خطاب شباب الحراك متنوع ويشرب من تاريخ الوفاء…
خلاصة القول: رغم الاتهامات وتقارير المخابرات الفرنسية التي رفعتها إلى دغول على أن حراك باريز 68 تموله وتوجهه المخابرات السوفياتية لكن بعد تمدد هذا الحراك على المستوى الوطني والدولي وانضمام النخبة الفرنسية والتفافها حوله تهدن الجنرال وقال: إن الأمة التي تنتج 500 نوع من الفروماج لا يمكن أن تكون على ظلال ، وأضاف: إذا رأيت أشخاصا أمثال سارتر وألتوسير و فوكو يتقدمون التظاهرات فاعلم ان لدينا مشكل…”.
لو كان الجنرال دغول مغربيا لجلس على مائدة الحوار لينصت إلى شباب حراك الريف ولأهدى لناصر الزفزافي ورفاقه (بشرهم وخيرهم) وسام الشجاعة على التزامهم بالسلمية والتنظيم الرائع للتظاهرات لمدة سبعة أشهر ولم تخدش فيه ولو سيارة واحدة في بلد يعمل بكل مؤسساته على إنتاج العنف وتبخيس العمل السياسي والتنظيمي…

