أقولها عن وعي، وعن إيمان، وبافتخار، واعتزاز، وهذه بعض الأسباب.
أولاً، من حيث المبدأ، فلسطين ترزح، شعباً وأرضاً، تحت نير الاحتلال، احتلال لم يعرف التاريخ له مثيلاً في الوحشية والهمجية. والوقوف ضد الاحتلال، أنّى يكُنْ، هو وقوف مع الحق والعدل. وقوف يمليه الضمير الإنساني، وهذا وحده يكفي، ويغني عن الباقي.
ثانياً، من حيث واقع الحال، فلسطين تتحمَّل، في جسدها وروحها، ما لا طاقة لها به. قصف، وقتل، وتدمير، وتجويع، وتهجير، وتطهير عرقي بالليل والنهار. قسوة لا نظير لها، وعذاب لا ينتهي. تكالبٌ، وتألُّبٌ، وإمدادٌ جهة البعيد. تخاذلٌ، وتواطؤٌ، وصمتٌ رهيب جهة القريب، ومريب جهة الشقيق. لكن فلسطين بالصمود تقاوم الاحتلال، وبالدم تُجالِد السيف، وبالأخلاق تتصدى لسقوط الأخلاق، وموت الإنسان. وبالتضحية تدْرَأُ عنا، ونيابة عنّا، خطراً وجودياً، شاملاً، لم يعد افتراضياً، يتهددنا جميعاً من المحيط إلى الخليج.
ثالثاً، من حيث لسان الحال، فلسطين تشتكي وجعاً، وألماً، ومعاناة، ورعباً، وخوفاً من الإبادة الجماعية. أضعف الإيمان أن نتداعى لها “بالسهر والحمى”، بالكلمة المناصرة، بالدمعة المتعاطفة، وبالدعاء.
رابعاً، من حيث المنطق، فلسطين قضية، قضية حمْلية موجِبة، موضوعة في المكان، ومحمولة في الزمان. كانت تُسمَّى فلسطين، وصارت تسمى فلسطين. إنها الحقيقة التاريخية التي لا تجُبُّها سردية ميثولوجية، ولا يقطعها أمر واقع بقوة الاحتلال.
خامساً، من حيث الجوهر، فلسطين لا يريد الكيان لها أن تكون. وجودُه نفيٌ لوجودها. ليست المقاومة هي ما يسعى الاحتلال إلى محوه، وإفنائه، بل فلسطين، فلسطين الفكرة، والقضية، والتاريخ، والثقافة. الغرب هو من اجترح المعادلة : مع الكيان وضد فلسطين. يودُّ لو كنا جميعاً معه، في صفِّه، وتحت رحمته.
أخيراً وليس آخراً، أقول إنّا اخترنا فلسطين، مثلما اخترنا الوطن، حُبّا وطواعية، لا نفرق بين أحد منهما. حُبُّ الوطن لا يُضْعِفه حُبُّ فلسطين، لا يمْحقُه، بل يُضاعِفُه، ويُرْبيه.
نورالدين العوفي

