مليون وثلاثمائة الف سنة من “تاريخ بدون كتابة” : في الحاجة الى إعادة تقييم عصور ما قبل التاريخ بالمغرب

عبد الجليل بوزوكار
بقلم: عبد الجليل بوزوكار
مناسبة القول هو صدور مقال يوم 20 غشت باللغة الإنجليزية بمجلة المعهد الملكي للانثروبولوجيا ببريطانيا وايرلندة والذي اتشرف بالانتساب اليه وهو تحت عنوان “إعادة تقييم لعصور ما قبل التاريخ في المغرب من العصر الحجري الأوسط إلى العصر الحجري المتأخر”. مقال جمعني مرة أخرى بزميلي وصديقي نيك بارطون من جامعة أكسفورد والزميلة والصديقة لويز هامفري من متحف التاريخ الطبيعي بلندن وستايسي كارولين من جامعة اكسفورد. الكتابة باللغة الإنجليزية في المجال العلمي لها مزايا كثيرة وبالنسبة إلي اظن انها مهمة أيضا لتصحيح ما كتب عنا وعن تاريخنا بما فيه الفترات القديمة جدا.
منذ ربع قرن من الان، في سنة 2000 قامت باحثتان من الولايات المتحدة الأمريكية وهما اليسون بروكس وسالي ماكبريرتي بنشر مقال مهم كان له ما بعده تحت عنوان “الثورة التي لم تحدث: تفسير جديد لأصل السلوك البشري الحديث” وركزت مخرجاته بشكل كبير على جنوب وشرق إفريقيا و اعتبر شمال افريقيا وخاصة شمال غربها كمنطقة تأثرت في وقت لاحق بما حدث بتلك المنطقتين…..بشكل أفصح كانت فضاء على ….. الهامش.
في المقال الذي نشر يوم 20 غشت الماضي، تمت إعادة قراءة للمعطيات التي تم نشرها منذ ربع قرن على ضوء ما تم التوصل اليه إلى حد الآن من نتائج بالمغرب. لن اتحدث عن الاكتشافات الكبرى وخاصة خلال فترة العصر الحجري القديم الأوسط، بل ساركز على نقط أعتبرها مهمة وهي :
1) مسألة المصطلحات : نظرا لاعتبارات تاريخية ولغوية، ارتبطت تسميات بعض فترات ما قبل التاريخ بالمغرب بما حدث بأوروبا وفرنسا على وجه التحديد… كانت نزعة “المركزية الاورو-اسيوية” بارزة ولكن للانصاف لا يمكن أن أعمم. في نهاية القرن التاسع عشر سنة 1891 بالضبط، تم ربط العصر الحجري القديم الأوسط ب “الموستيري” وسارت الأمور على ما يرام حتى ظهرت الأدوات المذنية Pedonculates ليتم اختراع مصطلح محلي وهو العاتيري لتمييزه عن الموستيري. سنوات بعد ذلك، تبين بأن الموستيري والعاتيري ينتميان لفترة واحدة ومازالت العلاقة بينهما لم تتضح بشكل كامل وقد تحيل على وجود مجموعتين (فصيلتين؟ ) بشريتين مختلفتين واحدة ازدهرت خلال الفترات المناخية الرطبة والأخرى برعت خلال الفترات الجافة….هي فرضية تستحق التفصيل في مناسبة أخرى او في مقال آخر. على اي حال بدأت التسمية Middle Stone Age المعروفة بافريقيا في الانتشار داخل الكتابات الخاصة بالمغرب.
2) مسألة الكرونولوجيا : إلى حدود 2003 درسنا (ودرسنا بتشديد الراء) ان العاتيري امتد من 40 الف سنة إلى 20 الف سنة، هذا ما وجدنا عليه النشر العلمي بناء على تقنية الكاربون 14. تم بعد ذلك تاريخ أسنان للضباء بالمغارة العالية بطنجة بتقنية “دوران الرنين الالكتروني Electronic Spin Resonance” ليتبين ان كرونولوجيا العاتيري ما هي في الحقيقة الا الحد الأقصى الذي يمكن أن تصله تقنية الكاربون 14. العمر الحالي قد يفوق 150 الف سنة. تعلمنا الدرس جيدا وتم الشروع في استعمال تقنيتين او اكثر في نفس الوقت لتحديد عمر الطبقات خاصة تلك التي تعود إلى العصر الحجري القديم الأوسط.
3) مسألة “الفترات الانتقالية” : ومرة أخرى تقنيات التاريخ او مناهج التنقيب خلال الخمسينيات من القرن الماضي كان لها الأثر في إبراز “هوة” بلغت آلاف السنين ما بين نهاية العصر الحجري القديم الأوسط وبداية العصر الحجري القديم الأعلى….بينما المشكل بالأساس لم يكن واقعا اركيولوجيا. ظهرت الان “ثقافة” بين العصرين ومن اللازم اجلا او عاجلا أن نجد لها اسما وهي المؤرخة ما بين 27 الف سنة و 23 الف سنة.
سعيد جدا أن أرى العديد من طلبة المعهد وبعض الجامعات المغربية داخل المغرب أو خارجه يتصدون الان لعمل جبار….. في صمت …. وبثبات لابراز جوانب من العصور الحجرية القديمة والحديثة ومن جميع الجوانب التي تهم الصناعات الحجرية والوحيش والهياكل البشرية أو بعضا من عظامها واستغلال موارد المجال ….
جيل من الشابات والشباب الذي سيقول كلمته وسيبرز بشكل أفضل منا أن تاريخ المغرب مذهل بشكل كبير.
المصر:  حساب الباحث المغربي في علم الأثار عبد الجليل بوزوكار على فايسبوك