من الإثني إلى الطبقي: نحو مشروع تحرري جذري للمسألة الأمازيغية

أبوعلي بلمزيان

إن الإشكال المتعلق بفصل النضال الأمازيغي عن الصراع الطبقي ليس مجرد سوء فهم سياسي، بل هو في العمق نتاج لبنية فكرية موجهة تُراد لها أن تكون أداة لإعادة إنتاج السيطرة الطبقية باسم الخصوصية الثقافية. فالمسألة الأمازيغية، حين تُجرد من سياقها المادي، تصبح ورقة في يد البرجوازيات السياسية والثقافية التي تسعى لإعادة رسملة الرموز الثقافية وتدجينها ضمن مشروع الدولة النيوليبرالية التوافقية. لذلك فإن التحليل المادي التاريخي يفرض أن نقرأ المسألة الأمازيغية لا بوصفها تعبيراً عن هوية إثنية مضطهدة فحسب، بل كتجلياً لصراع عميق حول وسائل الإنتاج، توزيع الثروات، والتموقع داخل البنية الطبقية، في سياق تاريخي طويل من التهميش واللامساواة.

إن المناطق ذات الغالبية الأمازيغية، منذ الاستعمار وما قبله، عرفت بنيات إنتاج تقليدية متمركزة حول الزراعة المعيشية، الرعي، والحرف المحلية، في ظل غياب بنيات صناعية أو استثمارات عمومية كبرى. هذا المعطى لم يكن معزولاً عن خلفيات سياسية واقتصادية، بل كان نتيجة مباشرة لسياسات تفقير مُمَنهجة دفعت بها النخب المخزنية والاستعمارية لضمان السيطرة على المركز وإبقاء الأطراف في وضعية التبعية. وهكذا، فإن الكادح الأمازيغي لم يكن ضحية تهميش ثقافي فقط، بل ضحية بنية طبقية حرمت مناطقه من التنمية، وفرضت عليه أن يبيع قوة عمله بثمن بخس، سواء في الحقول، أو في مناجم الجنوب الشرقي، أو في المراكز الحضرية التي هاجر إليها تحت ضغط الحاجة.

إن محاولات بعض التيارات الهوياتية حصر المسألة الأمازيغية في بعدها الرمزي-اللغوي دون ربطها بالبنية الاقتصادية هي محاولات تعمل، بوعي أو بدون وعي، على تمييع الصراع الاجتماعي وتحويله إلى صراع نخبوي حول التمثيلية والمكانة داخل النسق القائم. وهذا ما يجعل من النضال الأمازيغي، حين ينفصل عن قاعدته الطبقية، مجرد استكمال لبراديغم الاستيعاب النيوليبرالي، حيث يتم تحويل المطلب الثقافي إلى ديكور ديمقراطي مزيف يخفي استمرار نفس أنماط التهميش والاستغلال.

أما إذا أردنا بالفعل تحويل النضال الأمازيغي إلى رافعة تحرر شعبي، فعلينا أن نتجاوز المنطق الفولكلوري-الاحتفالي وننخرط في مساءلة البنية الطبقية التي جعلت من الهوية الأمازيغية غطاء لتهميش مزدوج: إثني واقتصادي. فليس هناك تحرر ثقافي ممكن دون تفكيك البنية الاقتصادية التي تنتج الفقر وتعيد إنتاج الهيمنة. وليس هناك استقلال لغوي حقيقي في ظل التبعية للمؤسسات المالية الدولية والسياسات النيوليبرالية. من هنا، فإن حل التناقض بين الإثني والطبقي لا يكون عبر اختيار أحدهما ضد الآخر، بل عبر قراءة جدلية ترى في الإثني تعبيراً عن موقع طبقي وفي الطبقي تجلياً ملموساً لأشكال السيطرة الرمزية والمادية معاً.

بالتالي، فالنضال الأمازيغي التقدمي لا يمكن أن يتحقق إلا داخل مشروع جذري يروم إعادة توزيع الثروة، فك الارتباط بالاقتصاد الريعي والمركزية المخزنية، وبناء اقتصاد اجتماعي تضامني يضع في قلبه كرامة الإنسان الأمازيغي، ليس كشعار بل كهدف سياسي-اقتصادي ملموس. فحين يُنتزع الأمازيغي من الهامش، وتُسترجع الأرض المشاعة، وتُضمن الحقوق اللغوية في المدرسة والإدارة، وتُربط الهوية بالعدالة الاجتماعية، فقط آنذاك يمكن الحديث عن مشروع تحرر وطني حقيقي، يربط بين المسألة القومية والمسألة الاجتماعية، ويقطع مع كل أشكال التبعية والاستغلال سواء أتت بلبوس ديني، عروبي، دولتي، أو حتى هوياتي مموّه.

إن اليسار الجذري، في هذا السياق، هو القادر على بلورة رؤية تحررية للمسألة الأمازيغية تنزع عنها طابعها الاختزالي وتدمجها في نضال شامل ضد كل أشكال الهيمنة، عبر تحالف بين القوى الشعبية الكادحة الأمازيغية وغير الأمازيغية، ضمن أفق أممي لا يساوم على الكرامة اللغوية والثقافية، ولكنه يربطها على الدوام بالعدالة الاجتماعية والسيادة على الأرض والثروة والقرار.

– الحسيمة في 10 أبريل 2025.

– أبوعلي بلمزيان.