ناجي العماري يكتب..الانحراف الإمبراطوري للعالم

ناجي العماري

بقلم: ناجي العماري

من موقعنا في هذا الجنوب العالمي، من إفريقيا، من أقصى شمالها، من هذا الإمتداد الحضاري الأمازيغي والعربي، يصعب علينا أن نتعامل مع اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من طرف الولايات المتحدة كخب ٍر عابر، أو كحاد ٍث دبلوماسي إضافي في سجل عالم اعتاد الفوضى. ما حدث ليس تفصيلاً، ولا مجرد عملية أمنية، ولا إجرا ًء قضائيا دوليا بالمعنى الذي يحيل على إجماع أو إطار أممي. إنه فعل سياسي ثقيل، واستعراض قوة إمبراطوري، يعلن أن النظام الدولي يواصل الانحدار نحو مرحلة تصبح فيها السيادة امتيا ًزا، والقانون أداة انتقائية، والضعفاء مجرد هوامش يمكن إعادة ترتيبهم بالقوة.

هذا الاختطاف لا يكشف أزمة فنزويلا وحدها، بل يكشف أزمة العالم نفسه. نحن أمام لحظة تُعري ما كان مختبئًا خلف اللغة الدبلوماسية، نحن أمام لحظة يدخل فيها العالم عصرا جديدًا، عصر الإمبراطوريات الجديدة.

عصر لا تقوم فيه العلاقات الدولية على التعايش بين الدول، بل على مناطق نفوذ، ومجالات افتراس، وحدو ٍد غير مرئية ُيسمح داخلها بكل شيء و ُيمنع خارجها كل شيء.

فنزويلا، في هذا السياق، ليست استثناء.

إنها مختبر. مختبر لا ُيختبر فيه مصير بلد بعيد، بل ُيختبر فيه مستقبل فكرة الدولة في جنوبنا العالمي، هل ما زال للسيادة معنى؟ وهل ما زال للقانون الدولي وظيفة غير تجميل القوة؟ وهل بقي للضعفاء مكان في عالم تتحكم فيه موازين القوة لا مبادئ التعايش؟

لماذا يعنينا ما يحدث هناك؟

حين أقول “من الجنوب”، لا أستعملها كشعار عاطفي، بل كتشخيص لموقع تاريخي. الجنوب ليس جغرافيا فقط، بل خبرة طويلة مع الهيمنة. نحن نعرف كيف تعمل الإمبراطوريات حتى حين لا تُسمي نفسها إمبراطوريات. نعرف الاستعمار المباشر والغير المباشر، ونفهم الوصاية التي تُقدَّم كـ “تعاون”، ونتقن قراءة التدخلات التي تُغطى بخطاب أخلاقي حول الديمقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود.

لقد تعلّمنا، قسرا، أن الهيمنة الحديثة لا تبدأ عادة بالحرب المفتوحة. تبدأ بـنزع الشرعية، بتشويه الصورة، بتحويل النظام السياسي إلى “مشكلة أخلاقية”، ثم بتحويل الاقتصاد إلى نقطة ضغط، ثم بالحصار والعقوبات وتجميد الأصول، ثم بالتضييق الدبلوماسي، وبعد كل هذا فعل القوة، عسكريا أو أمنيا أو عبر الانقلابات أو عبر “عمليات خاصة” تُلبس ثوب القانون.

لهذا، لا نستطيع أن نرى ما وقع في فنزويلا كقصة محلية. إنه جزء من آلية أوسع. آلية تُختبر في مكان اليوم، لكي تصبح نموذجا في أماكن أخرى غدًا.

أول واجب في لحظات كهذه هو حماية اللغة من التزوير. لأن أخطر ما تفعله الإمبراطوريات ليس فقط أنها تستخدم القوة، بل أنها تُعيد تسمية القوة بأسماء بريئة: “اعتقال” بدل اختطاف، “عملية قانونية” بدل اعتداء، “حماية الديمقراطية” بدل نزع السيادة.

نيكولاس مادورو لم ُيعتقل. لقد اختُطف.

اختُطف من طرف قوة أجنبية، خارج أي مسطرة متعددة الأطراف، وخارج أي تفويض من الأمم المتحدة، وخارج أي إطار يعترف به القانون الدولي. والفرق بين الاختطاف والاعتقال ليس تفصيلاً لغو ًيا. إنه الفرق بين عالم تُحكمه قواعد مشتركة، وعالم تُحكمه القوة وحدها.

حين نقبل بكلمة “اعتقال”، نكون قد قبلنا بالرواية القانونية التي تُصاغ بعد الفعل لتبريره. نكون قد قبلنا أن لدولة ما حقًا في فرض ولايتها القضائية على العالم، وأن السيادة ليست حقًا عاما بل حالة تمنحها القوة لمن تشاء وتسلبها ممن تشاء ؛ ولعل أخطر ما في هذا الحدث أنه يش ّكل سابقة: إذا كان رئيس دولة في منصبه يمكن اختطافه دون قرار دولي جماعي، فما الذي تبقى من مفهوم السيادة؟ وكيف يمكن لدول الجنوب أن تشعر أنها محمية، ولو نظريا بقانو ٍن دولي، إذا كان هذا القانون ُيع ّطل عند أول اصطدام مع مصالح الأقوى؟

سأقولها دون تردد: الوقوف ضد اختطاف مادورو لا يعني تبني سياساته، ولا تبرئة تجربته في القيادة من الأخطاء، ولا إنكار أزمات فنزويلا الاقتصادية والاجتماعية. يمكن لأي إنسان أن ينتقد أي نظام سياسي. لكن النقد السياسي شيء، والاختطاف شيء آخر. الدفاع عن مادورو في هذه اللحظة هو دفاع عن مبدأ سيادي: حق الشعوب في تقرير مصيرها دون تدخل خارجي قسري. ليس لأن مادورو ملاك، بل لأن قبول اختطافه يعني قبول قاعدة جديدة: أن الدول الكبرى تستطيع إسقاط من تشاء، وتصفية من تشاء، متى شاءت، ثم تكتب بعد ذلك “مبررات” قانونية وأخلاقية لتسويق فعل القوة. اليوم، ُيختبر هذا المبدأ في فنزويلا. وغدًا قد ُيختبر في أي بلد آخر من الجنوب العالمي. من يظن أن الأمر بعيد عنه ينسى أن الإمبراطوريات لا تبني سوابقها مرة واحدة؛ تبنيها تدري ًجا، حتى تصبح القاعدة طبيعية، وحتى يصبح الاعتراض عليها ترفًا.

فنزويلا ليست جديدة على اختطاف الرؤساء.

ما يحدث اليوم لا يمكن فهمه دون العودة إلى التاريخ القريب لفنزويلا. لأن اختطاف مادورو

ليس بداية، بل امتدادٌ لسلسلة. في أبريل 2002، تعرض الرئيس المنتخب ديمقراطيا هوغو تشافيز لعملية اختطاف خلال انقلاب مدعوم في الخفاء من أجهزة الاستخبارات الأمريكية ومن مصالح اقتصادية معادية لسياساته السيادية، خاصة تلك المتعلقة بإعادة التحكم الوطني في الموارد النفطية. أُوقف تشافيز، ُعزل، نُقل قسرا، وأُعلن عن حكومة غير شرعية اعترفت بها بعض العواصم بسرعة لافتة.

وكان الخطاب الرسمي آنذاك مألوفًا: الديمقراطية، الاستقرار، الأخلاق السياسية. لكن الانقلاب فشل لسبب بسيط وحاسم: التأخر في إخراج تشافيز من التراب الفنزويلي. هذا التأخير سمح بتعبئة شعبية كبيرة، وبرد فعل من قوات بقيت موالية للدستور. بعد 48 ساعة، عاد تشافيز إلى منصبه. ذلك الفشل كان إهانة استراتيجية للقوى التي خططت. لكنه كان أيضا درسا. درسا مفاده: إن أردت أن تنجح العملية، لا تترك للرجل فرصة أن يتحول إلى رمز مقاومة داخل أرضه. أخرجه بسرعة. حيّده بسرعة. غلّف العملية قانونيا بسرعة. وهنا نفهم الفارق بين 2002 واليوم: ليس في الهدف، بل في تطور أدوات الفعل الإمبراطوري.

الفرق بين 2002 واليوم واضح: هذه المرة كان الإخراج سريعا، والتحييد فور ًيا، والتغليف القانوني أكثر تعقيدًا. لم ُيقدَّم الأمر كـ“انقلاب”،بل كعملية قضائية أخلاقية. كأن العالم ُيقال له: “نحن لا نُسقط دولة، نحن نُحاكم مجرما”. هنا تظهر عبقرية الهيمنة الحديثة: لا تحتاج أن تقول الحقيقة كي تنتصر، يكفي أن تُنتج سردية مقنعة لوسائل الإعلام ولجزء من الرأي العام. لكن المنطق واحد.

الذي تغيّر ليس النية، بل النجاعة. الهيمنة الإمبراطورية وأزمة الدولة-الأمة.

ُيقال لنا إن الأمر يتعلق باتهامات: مخدرات، جريمة عابرة للحدود. وتُقدَّم هذه الاتهامات كحقائق أخلاقية لا تقبل النقاش. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل توجد اتهامات؟ السؤال: من يملك حق تحويل الاتهام إلى قوة تدهل؟ ومن يملك حق تجاوز الحدود وفرض ولايته القضائية على الآخرين؟

القانون الدولي ُبني لكي يمنع الدول من تحويل قوتها إلى قضاء عالمي. لا ولاية لقضاء دولة نا على دولة اخرى ذات سيادة. ولا يمكن القبض على رئيس دولة في منصبه دون قرار جماعي صادر عن مجلس الأمن. غياب هذا القرار يجعل ما حدث خرقًا سافرا للقانون الدولي. وهنا مكمن الخطر: حين يصبح القانون أداة بيد الأقوى، يفقد وظيفته كدرع للضعيف. يتحول

من حماية إلى ابتزاز. من مرجعية إلى سلاح ؛ وهذا التحول مرعب، لأنه يعني أن أي دولة يمكن أن تتحول فجأة إلى “مجرم”، بمجرد أن تُقرر إمبراطورية ما ذلك.

الحقيقة : إن كل الطرق في فنزويلا تقود إلى النفط، لا إلى الأخلاق، ولا إلى العدالة، ولا إلى الحرب على المخدرات. فنزويلا تملك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم. وفي عالم يتجه نحو شح الطاقة، وانتقال بيئي مرتبك،وتنافس استراتيجي حاد،يصبح التحكم في الموارد مسألة وجودية.لا ُيستغرب إذن أن تكون التصريحات الأمريكية ـ في جوهرها ـ حول فتح القطاع النفطي أمام الشركات الأمريكية، وتأمين الإمدادات، وإغلاق المجال أمام الصين وروسيا. بهذا المعنى، اختطاف مادورو ليس فقط فع ًلا سياسيا، بل قرار جيو-اقتصادي. من يريد فهم الحدث يجب أن يقرأه في ضوء الصراع على الطاقة، وعلى خطوط الإمداد، وعلى النفوذ في أمريكا اللاتينية، لا في ضوء المرافعات الأخلاقية.

الإمبراطوريات الجديدة لا تحتاج دائما إلى احتلال مباشر. الاحتلال مكلف، ويخلق مقاومة واضحة، و ُيحرج الإعلام. أما الهيمنة الحديثة فتنزع إلى إدارة عن ُبعد: تُبقي المؤسسات قائمة، لكنها تفرغ السيادة من مضمونها. تُبقي الدولة كشكل، لكنها تسحب منها القرار الاستراتيجي. فنزويلا، في هذا المسار، قد تتحول إلى ما يمكن تسميته حماية وظيفية: دولة موجودة رسميا، لكنها فاقدة لقرارها الحقيقي. وهذه أخطر أنواع الهيمنة، لأنها لا تبدو كاحتلال، لكنها في النهاية تد ّمر المعنى السياسي للسيادة.

هناك خطاب يروج لفكرة أن العالم أصبح ثلاثي الأقطاب، وأن الإمبراطوريات الكبرى ستعيد توزيع النفوذ، وأن الدول الصغيرة والمتوسطة مجرد أوراق في لعبة أكبر. ُيقدَّم هذا الخطاب كواقعية. لكنه في العمق تبرير. تبرير للافتراس. تبرير لتحويل الدول إلى مناطق نفوذ. تبرير لفقدان السيادة باعتباره قدرا. لا يجب القبول بهذه الفكرة كحتمية. لأن قبولها يعني التسليم بأن التاريخ انتهى عند القوة، وأن القانون مجرد ديكور، وأن الدول لا تملك حق الوجود إلا بإذن الإمبراطوريات. هذا، غير مقبول.

في مواجهة هذا الانحدار، يصبح الدفاع عن الدولة-الأمة ضرورة. لا كحنين هوياتي، بل كإطار سياسي يضمن الحد الأدنى من المسؤولية والسيادة والاستقرار. العولمة لا تتطلب زوال الدول. تتطلب تنظيم علاقاتها وتوازناتها. بل إن انهيار الدولة-الأمة يفتح الباب أمام أشكال أكثر وحشية: إمبراطوريات، شركات عابرة للقارات، ميليشيات، وصراعات لا تنتهي. البديل عن عالم الإمبراطوريات ليس الانغلاق، بل التعايش بين دول ذات سيادة متساوية في الحق. هذا هو معنى التعددية الحقيقية: ليس شعا ًرا، بل ضرورة وجودية للدول التي ترفض أن تتحول إلى محميات.

مرآة لمستقبل الأمم

اختطاف نيكولاس مادورو ليس حادثًا معزو ًلا. إنه علامة على عالم تتآكل فيه السيادة، ويتحول فيه القانون إلى سلاح، وتتقدم فيه الإمبراطوريات بلا رادع. وهو يضع أمام دول الجنوب سؤالا موجعا: هل نقبل أن يصبح اختطاف الرؤساء “أمرا طبيعيا”؟ هل نقبل أن تتحول الدول إلى ملفات تُدار عن بعد؟ هل نقبل أن تصبح السيادة كلمة جميلة لا أكثر؟ الدفاع عن مادورو هنا ليس دفاعا عن رجل.

إنه دفاع عن فكرة: أن الشعوب، مهما اختلفنا معها، تملك حق أن تُقرر مصيرها دون أن تُختطف دولتها من الخارج. إذا سقط هذا المبدأ، فلن يبقى في هذا العالم سوى القوة. وحينها، لن يكون الجنوب مجرد متفرج… بل الهدف التالي.