بقلم: ناجي العماري
في الذكرى الاولى بعد العشريه لرحيل القائد محمد عبد الرؤوف عرفات القدوة الحسيني – “أبو عمار” – الذي عرفه العالم باسم ياسر عرفات، نكتب هذه السطور لا لنروي سيرةً كتبها بيده، بل لنعيد رسم ملامح رجلٍ جعل من كوفيته سيرة شعب ووطن.
لم يترك أبو عمار كتاب مذكرات يسرد فيه تفاصيل حياته، لكنه ترك ما هو أبقى: ثورة تمشي وحدها، وحكاية قائد حمل غصن الزيتون كما حمل البندقية، فاوض كما يقاتل، وقاتل كما يفاوض. من أول رصاصة أطلقتها فتح، إلى الكرامة وبيروت المحاصرة، إلى أوسلو والانتفاضتين، بقي عرفات نموذجًا للزعيم الذي يوازن بين الحلم والواقع، بين السياسة والميدان، بين الدولة القادمة والمخيم الذي لم يترك ذاكرته يومًا.هذا المقال ليس تأبينًا لرجل رحل، بل شهادة على أنه ما زال حاضرًا في وجدان الملايين، رمزًا للمقاومة والحرية، وأيقونة لنضال لا يعرف الاستسلام. فمن خيمة اللجوء إلى منصة الأمم المتحدة، ومن أزقة بيروت إلى حصار المقاطعة، ظل عرفات يمشي بثورته، حتى صار العالم يراه آخر الأنبياء والرسل… نبي الثورة الفلسطينية.

البدايات : من مخيمات الغياب إلى أول رصاصة
لم يُولد ياسر عرفات قائدًا، ولا حملته الأرض على أكف النصر. جاء إلى الدنيا في زمنٍ كان الفلسطيني فيه هامشًا على خريطة العالم، وفي مكان لم يُحسم بعد إن كان وطنًا أو منفى. في بيت حجري صغير بالقدس قرب باب المغاربة، في أغسطس من عام 1929، وُلد الصبي الذي سيحمل بعد عقود صورة الكوفية فوق منابر الأمم. لكن البداية لم تكن إلا غيابًا.
في طفولته، كان الغياب هو المدرسة الأولى. توفيت والدته وهو في الرابعة، فانتقل بين أقارب وأماكن، كأنه حجر صغير تدحرج مع الريح. في القاهرة، حيث عاش سنواته الأولى، لم يجد ياسر مدينةً حاضنة، بل وجد سؤالًا كبيرًا يلاحقه: من أنا؟ كان الفلسطيني آنذاك عنوانًا للخسارة، كلمة ثقيلة لا تمنح حقًا ولا جنسية، لكنها تمنح نظرات شفقة أو ريبة.
منذ صباه، أدرك أن الهوية ليست بطاقة رسمية، بل مقاومة يومية ضد المحو. وفي أزقة القاهرة، حيث اختلط اللاجئون بالباعة والمتسولين والطلاب، بدأ الطفل يرى أن الوطن يمكن أن يعيش على هيئة حكايات يتناقلها الكبار عند المساء، أو خرائط مرسومة بخط مرتجف على أوراق المدرسة.
لم يخطط عرفات لأن يكون قائدًا عسكريًا. اختار دراسة الهندسة في جامعة الملك فؤاد (القاهرة)، وكأنه يبحث عن وسيلة لإعادة بناء ما هدمه الاحتلال. لكن الدروس لم تكن في قاعات المحاضرات، بل في المقاهي التي امتلأت بلاجئين، وفي نشرات صغيرة كانت تُهرَّب بين الطلبة تحمل عنوانًا جديدًا: جمعية فلسطين.
في قاهرة الخمسينيات، كان كل شيء يغلي: حركات تحرر عربية، ضباط أحرار، أحلام وحدة قومية. وفي قلب هذا الغليان، كان الشاب ذو الملامح الهادئة والصوت المتردد ينسج شيئًا مختلفًا. لم يقتنع أن تحرير فلسطين سيأتي من قرارات القمم أو بيانات الحكام، بل من فعل فلسطيني صرف. من يدٍ لا تنتظر مكرمة، ولا تصريحًا بالقتال.
أسس عرفات مع مجموعة من أصدقائه جمعية صغيرة، كانت تبدو كأنها نادٍ طلابي عادي (الاتحاد العام لطلبة فلسطين)، لكنها في الواقع كانت معملًا لفكرة ستكبر: فكرة أن الفلسطيني يجب أن يحمل سلاحه بنفسه. ومن رحم تلك الجلسات، بدأت تتشكل ملامح ما سيعرف لاحقًا بـ”حركة فتح”.
عام 1948 كان جرحًا يفيض على وعي الشاب. رأى بعينيه كيف تحولت القرى إلى رماد، والناس إلى طوابير في معسكرات اللجوء. كان يومها مقاتلًا حارب كمتطوع مع الفدائيين الفلسطينيين في جيش الجهاد المقدس، كان شاهدًا عن قرب على نكبة تُفرغ الروح قبل الأرض. ومع ذلك، كان هذا المشهد هو الفعل التأسيسي لشخصيته.
في تلك السنوات، لم يكن الفلسطيني بحاجة لمن يعلمه السياسة، فقد كانت المخيمات هي الكتاب الأول، واللاجئون هم المعلمون. من خيمة إلى خيمة، كان الياسر يستمع لقصص الذين فقدوا كل شيء إلا مفاتيح بيوتهم. مفاتيح صدئة، لكنها حادة بما يكفي لفتح بوابة الثورة.
هذا الإحساس بأن العالم بأسره تواطأ على محو وطنه، كان يتسلل إلى داخله مثل نار صامتة. وفي كل خطوة له على أرصفة القاهرة أو شوارع غزة، كان يسمع همسًا يقول: ما حك جلدك إلا ظفرك.
في الخمسينيات، سافر عرفات إلى الكويت. لم يكن يسافر بحثًا عن الثروة، بل ليجد مساحة بعيدًا عن عيون أجهزة المخابرات العربية التي لم تكن ترتاح لفكرة تنظيم فلسطيني مستقل. هناك، وسط صحراء العمل الشاق، حيث امتزج الفقر بالاغتراب، تحولت الفكرة إلى تنظيم.
في الكويت، التقى خليل الوزير (أبو جهاد) مجددًا بعد لقائهما الاول في غزة سنة 1956، وصلاح خلف (أبو إياد) الذي أسس معه في وقت سابق الإتحاد العام لطلبة فلسطين، وغيرهم من المنفيين الذين حملوا جرحًا مشتركًا.
اجتمعوا على قناعة واحدة: لا يمكن لفلسطين أن تعود إلا إذا أخذ الفلسطينيون زمام المبادرة. لم ينتظروا إذنًا من أحد، ولم يركنوا إلى قرارات الأمم المتحدة.
من غرف صغيرة فوق محلات متواضعة، بدأوا طباعة منشورات باسم “فتح”. كانت الكلمة في البداية تهمس، ثم تصرخ، ثم تُكتب على جدران المخيمات: “لن يحررنا إلا نحن”.
لم يكن الطريق إلى البندقية مباشرًا. قبلها، كان هناك نقاش طويل، شك، خوف من أن تتحول الفكرة إلى انتحار جماعي. لكن عرفات، بخطابه الممزج بين الإصرار والكثير من الإصرار، كان يعرف أن الثورات لا تنتظر اكتمال الظروف. كانت قناعته أن الرصاصة الأولى، حتى لو سقطت في الفراغ، ستُعيد تعريف الزمن.
في 1965، أطلقت فتح عمليتها الفدائية الأولى داخل فلسطين. لم تكن العملية انتصارًا عسكريًا كبيرًا، لكنها كانت لحظة ميلاد سياسي. حين دوّى صوت الانفجار الأول، كان الفلسطينيون لأول مرة منذ النكبة يسمعون أنفاسهم تعود.
عرفات لم يكن وقتها زعيمًا أسطوريًا، بل مناضلًا مجهول الاسم، يسير بين الخلايا الصغيرة، يوزع المنشورات، يحمل السلاح أيضاً، ويقود النقاشات كما يقود المعارك. لكنه كان يعرف أن ما بدأه لن يعود خطوة إلى الوراء.
لم ينتظر عرفات قرارًا عربيًا، ولا إذنًا دوليًا. كان يرى أن الثورة لا تحتاج إلى شرعية فوقية، بل إلى شرارة من القاع. هذا الإصرار على الاستقلالية وضعه في مواجهة مفتوحة مع الأنظمة العربية، لكنه منح حركته صدقية نادرة.
في المخيمات، بدأ الناس يتهامسون باسمه. لم يكن بعد رمزًا عالميًا، لكنه كان رمزًا للذين قرروا أن ينهضوا من تحت الركام. لم يكن يملك بعد دولة ولا علمًا فوق السفارات، لكنه امتلك أهم ما تحتاجه الثورات: الإرادة.
ومن هذه الإرادة، من خيمة مهترئة ومطبعة بدائية، ومن رجالٍ لم يملكوا إلا شوقهم إلى أرض ضائعة، وُلد مشروع تحرري سيقلب موازين المنطقة.
الرصاصة الأولى : عبور النهر وصناعة الفعل
في صباحٍ بارد، فاتح يناير 1965، حين دوّى أول انفجار باسم القيادة العامة لقوات العاصفة – فتح، لم يتغير العالم في لحظته، لكن الفلسطيني تغيّر. كان صوت الرصاصة الأولى أشبه بجرس إنذار في قبر صامت. كأنه يقول: نحن هنا. لسنا لاجئين في انتظار معونة، ولسنا جرحى أبديين في نشرات الأخبار. نحن شعب يُقاتل ليعود، لا ليستعطف ليُمنح إذن العودة.
ياسر عرفات لم يطلق بنفسه تلك الرصاصة، لكنه كان روحها. كان يعرف أن الثورة لا تُقاس بعدد القتلى أو حجم الغنائم، بل بقدرتها على اختراق الصمت. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد ممكنًا للعالم أن يتحدث عن فلسطين وكأنها مجرد ملف مغلق.
بعد العملية الأولى، انتقلت فتح من فكرة إلى تيار، ومن منشور إلى حركة فاعلة. المخيمات التي كانت تغصّ بالبؤس والجوع، بدأت تتحول إلى خلايا حية. خيم اللاجئين في الأردن ولبنان وسوريا صارت مراكز تدريب، مقرات للتنظيم، مدارس تُعلّم كيف يمكن أن يتحول الحنين إلى فعل.
عرفات كان يتنقل في هذه المخيمات كأنه يسير في بيت واحد. ينام على الأرض، يأكل مع المقاتلين خبزًا يابسًا، يناقشهم في الليل عن معنى الثورة. لم يكن قائدًا بعيدًا في مكاتب محصنة، بل مقاتلًا بينهم.
في تلك الأيام، كان يردد دائمًا: “انّا ثورتنا الفلسطينية ستظل مشتعلة ولهابة حتى التحرير والنصر.”
عرفات لم يكن يملك دبابات، ولا طائرات، ولا مالًا يغطي تكاليف المعارك. ما كان يملكه هو الإيمان بأن حرب العصابات قادرة على خلخلة عدو أقوى. كان يشرح للمقاتلين أن الهدف ليس الانتصار في معركة تقليدية، بل أن يبقى العدو يقاتل على أرض ليست أرضه، ضد شعب يرفض أن يموت.
ومع كل عملية فدائية، كانت صورة عرفات تتشكل في الخيال الشعبي: رجل بالكوفية، يحمل بندقية، يتنقل بلا مرافقة، يقف في الصف الأول من أي مواجهة. هذه الصورة لم تُصنع في كاميرات الدعاية، بل في الدم والتراب.
في مارس 1968، حين اجتاحت قوات الاحتلال الإسرائيلي بلدة الكرامة في الأردن للقضاء على قواعد فتح، لم يكن أحد يتوقع أن تتحول المعركة إلى أسطورة. المقاتلون الفلسطينيون الذين لم يتجاوز عددهم 324، إلى جانب المدفعية الأردنية، صمدوا ساعات طويلة أمام جيش مدجج بالسلاح يتجاوز 15000 جندي.
كانت الخسائر الفلسطينية كبيرة، لكن الرسالة كانت أكبر: لم يعد الفلسطيني يهرب من المواجهة، بل الإسرائيلي هو الذي ينسحب. بعد الكرامة، خرجت صورة عرفات إلى العلن. لم يعد مجرد اسم في منشور، بل قائدًا يظهر أمام الإعلام العالمي بزيه العسكري، وكوفيته التي ستصبح لاحقًا رمزًا لقضية بأكملها.
نجاح فتح لم يُرضِ الأنظمة. بعضها رأى في الحركة تهديدًا لسلطته، وبعضها حاول احتواءها ضمن خطاب قومي فضفاض. لكن عرفات كان مصممًا على الاستقلالية. كان يقول: “هذه الساحة الفلسطينية ستظل فلسطينية القرار وفلسطينية النضال وفلسطينية الوجه.”
هذا الموقف كلف الحركة الكثير: تضييق في العواصم، خلافات مع الحكومات، اتهامات بالتهور والعمالة. لكن في المقابل، منح فتح شرعية شعبية غير مسبوقة. أصبح اللاجئون يرون في عرفات صوتهم الحقيقي، غير الخاضع لمساومات الرؤساء والملوك و زعامات البترو-دولار.
مع نهاية الستينيات، لم تعد الثورة الفلسطينية شأناً محليًا. عمليات الفدائيين عبر النهر، والاشتباكات المتكررة مع قوات الاحتلال، جعلت اسم فتح يتردد في كل نشرات الأخبار.
عرفات، الذي كان قبل سنوات شابًا مهندسًا مغمورًا في الكويت، صار يقف أمام الصحافة العالمية ليشرح معنى أن تُقاتل شعبًا بلا دولة ضد آلة استعمارية مدعومة من القوى العظمى.
كان يدرك أن الرصاصة وحدها لا تكفي. لذلك، بدأ يُتقن فن الخطابة، والمناورة السياسية، وخلق التوازن بين العمل العسكري والعمل الدبلوماسي. لم يكن يحب السياسة بمعناها التقليدي، لكنه كان يعرف أن الثورة بلا صوت سياسي تُترك للرصاص فقط، والرصاص وحده لا يبني وطنًا.
في هذه المرحلة، لم تعد فتح مجرد تنظيم مسلح. صارت هوية، مدرسة سياسية جديدة تُعيد تعريف الفلسطيني. لم يعد اللاجئ مجرد ضحية ينتظر مساعدات الأونروا، بل مشروع مقاوم يخطط للعودة.
عرفات كان يقول: “عظيمة هذه الثورة! إنها ليست بندقية فحسب، فلو كانت بندقية لكانت قاطعة طريق، ولكنها أيضاً نبض شاعر، وريشة فنان، وقلم كاتب، ومبضع جراح، وإبرة لفتاة تخيط قميص فدائيّها “.
وفي هذه الجملة يكمن جوهر تلك المرحلة: الثورة لم تكن فقط رد فعل على الاحتلال، بل محاولة لإعادة خلق الإنسان الفلسطيني المقهور إلى إنسان فاعل، حتى قبل أن يتحرر التراب.
مع بداية السبعينيات، أصبحت فتح الرقم الصعب في المنطقة. كل فصيل فلسطيني أو عربي كان يضطر للتعامل معها، وكل حوار دولي عن القضية الفلسطينية كان يبدأ باسمها.
لكن هذا الصعود لم يكن بلا ثمن. فالعين الإسرائيلية كانت تلاحق عرفات في كل مكان، والصراعات الداخلية بدأت تظهر، والتناقض مع بعض الأنظمة العربية بدأ يتحول إلى مواجهات دامية.ومع ذلك، كان القائد الفلسطيني يُدرك أن الثورة التي مشَت وحدها لا يمكن أن تتراجع. الطريق أصبح واضحًا: صراع طويل، دم كثير، ومشروع لا يقوم على النصر السريع، بل على الاستنزاف السياسي والعسكري والرمزي.
وفي خضم هذا الصراع، بدأت ملامح المرحلة التالية تتشكل: مرحلة المواجهة الكبرى مع الأنظمة… ثم معركة البقاء نفسها.
المواجهة : من أيلول الأسود إلى بيروت المحاصرة
منذ أن صارت فتح عنوانًا للهوية الفلسطينية، أصبح عرفات أمام معادلة مستحيلة: كيف تحافظ الثورة على استقلاليتها، وهي محاصرة بجغرافيا لا تملكها، ومهددة بعدو يتربص بها، ومطوقة بأنظمة لا تريد أن ترى شعبًا حرًا يقرر مصيره؟
كانت تلك السنوات بين أواخر الستينيات وبداية الثمانينيات مرحلة الدم الثقيلة. مرحلة اصطدام الثورة مع محيطها العربي، قبل أن تصطدم مباشرة بالآلة العسكرية الإسرائيلية على أبواب بيروت.
في سبتمبر 1970، انفجرت المواجهة في الأردن بين الفصائل الفلسطينية والجيش الأردني (أيلول الأسود). المخيمات التي كانت قاعدة للمقاومة تحولت فجأة إلى ساحات حرب داخلية. لم تكن المواجهة مع العدو الإسرائيلي هذه المرة، بل مع نظام عربي خائف من أن تتحول الثورة إلى دولة داخل الدولة.
عرفات كان هناك، وسط الدمار والدماء، يحاول أن يوقف النزيف، أن يمنع الاقتتال من أن يتحول إلى حرب أهلية شاملة. لكنه كان يعرف أن الصراع لم يكن فقط عسكريًا، بل سياسيًا: سؤال عن من يملك القرار الفلسطيني، ومن يحق له أن يحمل البندقية باسم فلسطين.
في النهاية، خرجت المقاومة من الأردن تحت الضغط والدم. كان ذلك نزيفًا تاريخيًا، لكنه منح الثورة درسًا قاسيًا: أنها وحيدة بالفعل، وأنه لا يمكن الاعتماد على الحضن العربي لحمايتها.
بعد الخروج من الأردن، انتقلت قيادة فتح ومعظم الفصائل الفلسطينية إلى لبنان. هناك، في قلب بلد مأزوم طائفيًا وسياسيًا، وجدت المقاومة نفسها تبني قواعد جديدة وسط هشاشة الدولة اللبنانية وصراع القوى الإقليمية.
عرفات كان يسير في أزقة بيروت الغربية وكأنه يسير في غزة التي لم يستطع العودة إليها. كان يعرف أن لبنان ليس وطنًا بديلًا، بل محطة أخرى في رحلة الدم الطويلة. لكن رغم ذلك، استطاع أن يحوّل بيروت إلى مركز سياسي وعسكري جعل القضية الفلسطينية على رأس الأجندة العالمية.
المخيمات تحولت إلى حصون للمقاومة، والعالم بدأ يرى في عرفات أكثر من قائد عسكري: زعيم سياسي يجمع حوله طيفًا واسعًا من التحالفات، ويُدخل القضية إلى الأمم المتحدة.
في نوفمبر 1974، صعد عرفات منصة الأمم المتحدة حاملاً غصن الزيتون في يد، وبندقية الثائر في الأخرى. كانت تلك اللحظة ذروة التحول: للمرة الأولى، يسمع العالم من فم فلسطيني أن شعبًا سرقت منه دولته يطلب العدالة، لا الهبات.
الجملة التي قالها يومها بقيت محفورة في الذاكرة:
“جئتكم يا سيادة الرئيس بغصن الزيتون في يد وبندقية الثائر في يد، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي.”
هذا الخطاب نقل القضية من معسكرات اللاجئين إلى طاولة العالم. لكنه في الوقت ذاته، زاد من شراسة العدو، وعمّق الصراع مع الأنظمة التي رأت في عرفات خطرًا على توازناتها.
مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، وجدت المقاومة نفسها وسط نار لا تنطفئ. تحالفت فتح مع قوى لبنانية يسارية ضد الميليشيات المدعومة من إسرائيل وبعض الأنظمة العربية.
عرفات كان يحاول أن يحافظ على بوصلة الصراع نحو فلسطين، لكن الواقع كان أقوى: معارك داخلية، اغتيالات، مؤامرات، حصار اقتصادي وسياسي. كان عليه أن يقاتل في جبهات لا علاقة لها بالتحرير المباشر.
ورغم ذلك، ظل الرجل متنقلًا بين الخنادق، لا يختبئ في المكاتب، يقود المعارك بنفسه حين يلزم، ويجلس مع زعماء العالم حين يحتاج. كان يدرك أن الثورة إن سقطت في لبنان، ستُدفن معها آخر شرارة للكفاح الفلسطيني.
فأطلق على تلك المرحلة ب “ديمقراطية غابة البنادق”.
في صيف 1982، قررت إسرائيل أن تُنهي وجود المقاومة الفلسطينية في لبنان بشكل نهائي. اجتاحت الدبابات من الجنوب حتى بيروت، محاصرة المدينة لثمانية وثمانين يومآ تحت قصف لا يرحم.
عرفات كان هناك، في المقر المحاصر، محاطًا بمقاتلين أنهكهم الجوع والدمار، لكنهم رفضوا الاستسلام.
بيروت تحولت إلى أسطورة: مدينة تصمد أمام واحدة من أقوى الجيوش، وقائد يرفض مغادرة الميدان حتى آخر لحظة.
في أغسطس 1982، وبضغط دولي، غادر عرفات ومقاتلوه بيروت عبر البحر نحو تونس ودول أخرى. كان ذلك خروجًا مؤلمًا، كأنه اقتلاع آخر للثورة بعد نكبة 1948 وأيلول الأسود، وهو في السفينة المبحرة من بيروت إلى تونس سأله اوري افنيري :” إلى أين أنت ذاهب ؟” فكان جواب الياسر فوريا : “أنا ذاهب إلى فلسطين”.
هذا الجواب الشاعري من قلب الخسارة، كان له معنى آخر: الثورة الفلسطينية صارت فكرة تتجاوز الجغرافيا. لم يعد ممكنًا قتلها بالقصف أو الحصار. عرفات، وهو يغادر، لم يرفع الرايات البيضاء، بل رفع كوفيته.
هذه المرحلة أنهكت الجسد الفلسطيني، لكنها صقلت روح القيادة عند عرفات، الذي عرف من تلك التجربة أن معركة البقاء ليست فقط ضد الاحتلال، بل ضد النسيان، وضد الانكسار الداخلي.
من أوسلو إلى المقاطعة : رجل السلام الذي لم يُطفئ جذوة الثورة
حين خرجت الثورة من بيروت 1982، اعتقد كثيرون أن زمن البندقية الفلسطينية قد انتهى، وأن ياسر عرفات سيعود إلى طاولة السياسة كزعيم منفٍ بلا سلاح ولا أوراق ضغط. لكن الرجل، الذي عاش نصف عمره في الخنادق، كان يعرف أن الكفاح ليس موقعًا جغرافيًا، بل فعلًا ممتدًا في الروح.
في تونس، بنى عرفات قيادة سياسية جديدة دون أن يفرّط بالبندقية. أعاد تنظيم المقاتلين في الشتات، وحافظ على شبكات المقاومة في الداخل. كان يُدرك أن الطريق إلى فلسطين لن تأتي من خطابات المنفى فقط، بل من انتفاضة الناس في الأرض المحتلة.
لقد حاول العدو إبعاد عرفات عن محيط فلسطين بنفيه في تونس، لكنه مع قيادة فتح، فهم الأمر فقام بنقل الثورة إلى داخل فلسطين.
وفي أواخر الثمانينيات، انفجرت الانتفاضة الأولى (1987). مشهد الحجارة في غزة والضفة كان إعلانًا أن فكرة المقاومة لم تمت. عرفات، من منفاه، أدار تلك اللحظة بحذر وحزم، وبدأ يفكر في مسار سياسي يفتح ثغرة في جدار الاحتلال دون أن يُنهي جذوة النضال.
عام 1993، وقّع عرفات اتفاقية أوسلو مع إسرائيل. كثيرون اتهموه بالتنازل، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا: الرجل الذي أمضى عمره في المعارك، رأى في أوسلو خطوة تكتيكية لكسر الحصار وإعادة القيادة إلى الأرض المحتلة.
حين صافح إسحق رابين في البيت الأبيض، لم تكن تلك مصافحة استسلام، بل محاولة لانتزاع اعتراف بوجود الشعب الفلسطيني. لكن عرفات لم ينسَ أبدًا أن الاحتلال لا يزول بالتوقيع وحده. ولهذا ظل يردد:
“هذا السلام هو سلام الشجعان… يجب أن يطبق من جنين إلى رفح.”
وفي عام 1996 أكد مفهوم سلام الشجعان، عندما حاولت إسرائيل فتح نفق أسفل المسجد الأقصى، فاشتعلت الضفة وغزة في مواجهة دامية عُرفت بـ “هبة النفق”. السلطة الفلسطينية، التي كان يرأسها عرفات، لم تتردد في دعم الشارع، بل خرج رجال الأمن الفلسطيني بأمر مباشر من ياسرعرفات جنبًا إلى جنب مع المتظاهرين في مواجهة الجيش الإسرائيلي.
كانت تلك اللحظة دليلًا أن عرفات، رغم قبوله بالتسوية السياسية، لم يتخلّ عن روح المقاومة.
حتى في تفاصيل رمزية، ظل عرفات يزرع المقاومة في وجدان الشعب. اختار كلمات النشيد الوطني الفلسطيني، التي تقول: “فدائي، فدائي، فدائي”، ليذكّر أن جذور الثورة لم تُنتزع. كلما عزف النشيد في مؤسسات السلطة، كان يعيد للناس صدى قوات العاصفة، والرصاصة الأولى التي أطلقتها فتح قبل عقود، ويستمر النشيد : “بعزمي وناري وبركان ثأري، وأشواق دمي لأرضي وداري، صعدت الجبالَ وخضت النضالَ، قهرت المحالا حطمت القيود”
مع فشل مفاوضات كامب ديفيد عام 2000، انفجر الشارع الفلسطيني في الانتفاضة الثانية. المشهد كان واضحًا: عرفات، الرجل الذي جلس مع قادة العالم بحثًا عن السلام، هو نفسه الذي يقف خلف انطلاقة الانتفاضة.
لم يكن قرارًا رسميًا مكتوبًا، بل موقفًا أخلاقيًا: حين يغلق الاحتلال أبواب الأمل، تنفجر الأرض من تحت أقدامه.
في خضم الانتفاضة، برزت كتائب شهداء الأقصى، الجناح المسلح لحركة فتح. هذه التشكيلات التي واجهت الدبابات في شوارع نابلس وجنين ورام الله، لم تكن سوى إعادة إحياء لروح قوات العاصفة التي أسسها عرفات في الستينيات.
رغم الضغوط الدولية لتفكيكها، رفض عرفات أن يقطع شريان المقاومة، ليس فقط، بل وقف أيضًا على تسليح كل الفصائل الأخرى للمقاومة بما فيها من كان يعارضه، وسفينة نوح – كارين أيه شاهدت على ذالك.
منذ عام 2002، فرضت إسرائيل حصارًا خانقًا على عرفات في مقر المقاطعة برام الله. الجدران المهشمة، الدبابات تحيط بالمكان، الكهرباء والدواء مقطوعان، لكن الرجل ظل واقفًا، يستقبل انصاره، ويوجه أوامره للميدان.
حتى وهو مريض ومحاصر، كان يردد:
“يريدونني أسيرًا أو طريدًا أو قتيلًا… وأنا أقول لهم: شهيدًا شهيدًا شهيدًا.”
في 11 نوفمبر 2004، رحل عرفات في ظروف شبه غامضة، رحل بالسم. لكن موته لم يكن هزيمة. بل تحوّل إلى لحظة تأسيسية جديدة للهوية الفلسطينية: زعيم حمل غصن الزيتون والبندقية معًا، ومات وهو يحمي جذوة المقاومة من أن تنطفئ.
بهذا، يكتمل النص … ومع ذالك لم تكتمل سيرة رجلٍ، مهندس لم ينحني لا للحصار ولا للتطبيع، جمع بين الدبلوماسية والكفاح، وبقي حتى النهاية رمزًا لشعب قرر أن يعيش واقفًا … رحل الرجل لكنه بقي في وجدان العالم آخر الانبياء والرسل، نبي الثورة.

