ناجي العماري يكتب سلسلة تساؤلات مغربية (المقال 4): أزمة الاقتصاد المغربي بين النيوليبرالية والتحديات الاجتماعية

ناجي العماري

الاقتصاد ليس مجرد أرقام جافة أو معادلات حسابية تُدون في التقارير السنوية للمؤسسات المالية، بل هو بنية متشابكة من العلاقات، ونسق معقد من الهيمنة وإعادة الإنتاج الاجتماعي. إنه مجال يتقاطع فيه السياسي والاجتماعي، ويعيد تشكيل المصائر وفقًا لمنطق القوة والتنافس والندرة.

في المغرب، كما في بقية دول الجنوب العالمي، اختارت الدولة، أو ربما أُجبرت، على تبني سياسات نيوليبرالية بزعم تحقيق التنمية الاقتصادية واللحاق بركب العولمة. غير أن ما حدث في الواقع لم يكن سوى إعادة إنتاج لصيغ جديدة من الاستغلال واللامساواة، حيث أُعيد توجيه دور الدولة من فاعل اقتصادي يسعى لضبط التوازنات الاجتماعية إلى مجرد وسيط بين رأس المال والمجتمع. لم تعد الأولوية تحقيق الاكتفاء الوطني أو تعزيز الإنتاج المحلي، بل بات الهدف هو خلق بيئة جذابة للمستثمرين الأجانب، ولو كان ذلك على حساب المصالح الجوهرية للمواطنين.

في هذا السياق، يصبح الاقتصاد المغربي مسرحًا لمعادلة غريبة: من جهة، تدّعي السياسات الاقتصادية التحديث والانفتاح، ومن جهة أخرى، تتزايد الفجوات الاجتماعية وتتفاقم الأزمات. فهل التنمية، كما يروج لها الخطاب الرسمي، يمكن أن تُقاس فقط بمعدلات النمو والاستثمارات الأجنبية؟ أم أن هناك معايير أخرى، أكثر جوهرية، مثل العدالة الاجتماعية والاستقرار النفسي والكرامة الإنسانية؟

النيوليبرالية المغربية: تحرير اقتصادي أم خضوع للأسواق العالمية؟

إن التدقيق في المسار الاقتصادي المغربي خلال العقود الأخيرة يكشف عن عملية “تحرير اقتصادي” لم تكن سوى وجه آخر للخضوع لآليات السوق العالمي. فقد جاءت ما يسمى بـ”الإصلاحات الهيكلية” على شكل سلسلة من التدابير التي تعمّق اللامساواة: الخصخصة التي نقلت ملكية المؤسسات العامة إلى أيدي القطاع الخاص، تقليص الدعم الذي زاد من هشاشة الفئات الفقيرة، وإطلاق يد الشركات الكبرى في إدارة القطاعات الحيوية.

غير أن النتائج لم تكن سوى مزيد من الأزمات البنيوية:

  • تفاقم معدلات البطالة، خصوصًا بين الشباب، مما أدى إلى خلق جيل يعاني من التهميش الاقتصادي، ومن أزمة وجودية تجاه مستقبله.
  • خصخصة الخدمات الأساسية، كالقطاع الصحي والتعليمي، مما حول الحقوق الاجتماعية إلى سلع متاحة لمن يستطيع الدفع فقط.
  • الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة، مقابل ركود الأجور، مما أدى إلى تعميق الشعور العام بانعدام الاستقرار.

لقد أدت النيوليبرالية المغربية إلى خلق اقتصاد قائم على الاستدانة من المؤسسات الدولية وجذب الاستثمارات الخارجية بدلًا من بناء قوة إنتاجية وطنية مستقلة. لكن السؤال المطروح هنا هو: هل يمكن لاقتصاد يعتمد على رأسمال أجنبي أن يمتلك قراره السيادي؟ أم أن الدولة باتت أسيرة لمعادلات لا تتحكم فيها؟

منطق السوق وهيمنة رأس المال

لقد قال ماركس يومًا: “الرأسمالية لا تعترف إلا بمنطق الربح، حتى ولو كان ذلك على حساب الإنسان.” واليوم، نشهد كيف أصبح الاقتصاد المغربي خاضعًا لمنطق لا يضع في حسبانه سوى الأرقام والمؤشرات، متجاهلًا المعاناة اليومية للمواطنين. فحين ترتفع أسعار المواد الأساسية عالميًا، أو حين تغير الشركات المتعددة الجنسيات استراتيجياتها الاستثمارية، يكون المواطن المغربي هو أول من يدفع الثمن.

لكن السؤال الأهم هنا ليس مجرد تساؤل اقتصادي، بل هو سؤال فلسفي وأخلاقي: هل يمكن لمنظومة اقتصادية قائمة على التبعية للأسواق العالمية أن تحقق استقرارًا وتنمية مستدامة؟ أم أننا بحاجة إلى إعادة تفكير جذري في الأسس التي تقوم عليها سياساتنا الاقتصادية؟